د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي
في مشهدٍ يعكس إرهاق المواطن العراقي من وعودٍ لا تُنفذ، وخدماتٍ لا تصل، تتصاعد الأصوات المطالبة بتجميد عمل مجالس المحافظات. وهو طلبٌ لم يولد اليوم، بل كان حاضراً في احتجاجات تشرين، حين هتف الشارع ضد (حلقات إدارية زائدة) تستهلك الأموال وتُنتج الأوهام.
من منظور قانوني واقعي، لا يمكن التعامل مع هذه المطالبة كـ(استجابة عاطفية) بل كقراءة باردة لواقعٍ أصبح فيه الجسم المؤسسي المحلي أشبه بمنطقة رمادية بين الحكومة المركزية والبلديات. فالمجالس المحلية، بحسب ما هو قائم، تمارس صلاحيات واسعة دون رقابة فعلية، وتُدار وفق توافقات سياسية تضع ((محاصصة المناصب)) فوق (كفاءة الخدمة) . النتيجة؟ مدينة تعاني من الصرف الصحي، وأخرى تنتظر الكهرباء، وثالثة يغرقها تراكم النفايات، بينما تتصدر المجالس عناوين الأخبار فقط لتعيين مستشارين جدد.
إن تجميد هذه المجالس – ليس إلغاءً، بل إعادة هيكلة – هو خيار واقعي مدروس. ذلك أن التجميد المؤقت، مع تعليق الصرف المالي والإداري، يخلق مساحة تنفس قانونية لمراجعة الدستور والمواد الناظمة لعملها. ولا نغفل هنا أن التعديل التشريعي يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، لكنه في النهاية أكثر جدوى من استمرار حالة “الفراغ الوظيفي المكلف”.
يقول مؤيدو التجميد: إن الخطوة توقف هدر المال العام وتعيد تعريف المسؤولية. ويعترض معارضوه بخطر الفراغ الإداري. لكن هنا بيت القصيد: الفراغ الحقيقي ليس غياب المجلس، بل غياب الخدمة. فإذا كان المجلس لا يقدم شيئاً، فغيابه ليس خسارة، بل هو (تخفيف) لثقلٍ زائد.
الخلاصة؟ العراق بحاجة إلى مجالس محلية منتجة، لا إلى (زينة دستورية) تنهش الميزانيات. التجميد المؤقت خطوة شجاعة، لكنها ليست نهاية الطريق، بل بداية إعادة تعريف قياس الأداء بالمتر المربع للخدمة، لا بعدد الكراسي. والمشروع التعديلي يجب أن يضع شرطاً وحيداً لبقاء أي مجلس: (خدمة ملموسة خلال ٦ أشهر، وإلا فالحل) .
هذا هو الاختبار الحقيقي: إما أن تكون المجالس جزءاً من الحل، أو تنسحب لتفسح مكاناً لحلول أكثر إجرائية وأقل تكلفة.

