علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
لم يكن المشهد يحتاج إلى صاروخ إيراني. ولا إلى طائرة مسيرة. ولا إلى عملية كوماندوز.
كان يكفي صندوق بقايا الطعام.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الرجل الذي يجلس على رأس أقوى قوة عسكرية في العالم. والذي يفترض أن تحيط به واحدة من أكثر منظومات الحماية تطوراً على وجه الأرض. خرج من تركيا بطريقة لا تليق حتى بمسؤول صغير يحاول الإفلات من كاميرات الصحافة.
ترامب دخل الطائرة الرئاسية.
ثم خرج منها.
لكن ليس من الباب الذي يعرفه العالم.
خرج عبر صندوق تموين الطعام. في عملية تمويه أمنية استثنائية. ثم نُقل إلى طائرة عسكرية للشحن. وبعد ذلك أعيدت العملية مرة أخرى في بريطانيا. وكأن الرئيس الأمريكي لم يكن يغادر قمة لحلف شمال الأطلسي. وإنما يهرب من مطاردة في أحد أحياء المدن القديمة.
والسبب هذه المرة كان إيران.
تهديدات باستهداف الرئيس الأمريكي كانت كافية لتحويل الطائرة الرئاسية إلى طُعم. وتحويل صندوق بقايا الطعام إلى وسيلة نجاة. وتحويل واحدة من أكثر الصور ارتباطاً بالقوة الأمريكية إلى مشهد يصلح مباشرة لبرنامج كوميدي.
هكذا انتهت إحدى أكثر الرحلات السياسية أهمية في تركيا.
لم يخرج ترامب وسط المراسم. ولم تغادر الطائرة الرئاسية وهي تحمل رئيس أقوى دولة في العالم في مشهد استعراضي يليق بقوة واشنطن.
خرج الرجل مع الطعام.
وللمفارقة. فإن أمريكا أنفقت عقوداً في إقناع العالم بأن رئيسها يستطيع الوصول إلى أي مكان. وأن طائرته تستطيع أن تحلق فوق أي سماء. وأن أجهزة استخباراتها تعرف كل شيء تقريباً.
ثم جاءت إيران لتضيف جملة صغيرة إلى هذه الأسطورة.
نعرف أين توجد طائرتك.
ولهذا عليك أن تختبئ.
هنا تصبح الحادثة أكبر من قصة طريفة.
لأن قيمة الردع لا تقاس فقط بمن يستطيع إسقاط الطائرة. وإنما بمن يستطيع إجبار خصمه على تغيير الطريقة التي يتحرك بها رئيسه.
إيران لم تكن بحاجة إلى إسقاط الطائرة الرئاسية حتى تحقق أثراً استراتيجياً. يكفي أن تجعل احتمال استهدافها حاضراً في حسابات الفريق الأمني الأمريكي. ويكفي أن يتحول الرئيس من هدف يحميه التفوق التكنولوجي إلى شخص يجب إخفاء مكانه الحقيقي.
وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها.
أمريكا تمتلك طائرة رئاسية صممت لتكون حصناً طائراً. وإيران جعلت الرجل الذي يفترض أن يكون داخل هذا الحصن يخرج منه عبر صندوق الطعام.
يمكن للخبراء أن يناقشوا قدرات الطائرة. وأنظمة التشويش. والحماية الإلكترونية. والاستخبارات الأمريكية. وكل التكنولوجيا التي يفترض أنها تجعل الوصول إلى الرئيس مهمة شبه مستحيلة.
لكن الصورة التي ستبقى في ذاكرة الناس أبسط بكثير.
رئيس أمريكا خرج في صندوق.
وهذه ليست مجرد مادة للسخرية من ترامب.
إنها ضربة رمزية لأسطورة القوة التي لا تخشى أحداً.
فالولايات المتحدة تستطيع أن ترسل حاملات الطائرات إلى البحار. وأن تنقل آلاف الجنود خلال ساعات. وأن تمتلك أقماراً صناعية تستطيع مراقبة مساحات هائلة من الأرض. وأن تحيط رئيسها بعشرات الطبقات من الحماية.
لكنها لا تستطيع أن تلغي السؤال الأبسط في عالم الأمن.
هل يعرف الخصم أين أنت؟
وإذا كان يعرف. تصبح كل التكنولوجيا التي حولك أقل أهمية مما تبدو عليه.
وهنا تبدأ قصة إيران الحقيقية.
فطهران لا تمتلك القوة التقليدية التي تمتلكها واشنطن. ولا تملك الطائرة الرئاسية الأمريكية. ولا الأسطول الأمريكي. ولا منظومة الأقمار الصناعية الأمريكية.
لكنها تمتلك شيئاً آخر.
القدرة على جعل القوة الأمريكية تعيد حساباتها.
وإذا كانت قصة صندوق الطعام قد كشفت شيئاً. فهو أن الردع في الشرق الأوسط لا يحتاج دائماً إلى مواجهة مباشرة. أحياناً يكفي أن تجعل الخصم يتصرف كما لو أن الضربة قادمة.
وفي هذه الحالة. لم يكن الصندوق مجرد صندوق.
كان رسالة.
ورسالة ساخرة جداً.
أمريكا تستطيع أن تحمي طائرتها.
لكن إيران استطاعت أن تجعل ترامب يختار الصندوق

