التحرر من الريع .. ميلاد اقتصاد الغد العراقي!

نبيل رحيم العبادي

د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي

ليس خافيا على متابعي الشأن الاقتصادي ان العراق يقف اليوم على حافة منعطف خطير، حيث لم تعد لعنة الموارد مجرد مصطلح اكاديمي يثير فضول الباحثين، بل تحولت الى واقع يومي يلمسه المواطن في انقطاع الكهرباء، وتراجع الخدمات، واهتزاز قيمة العملة امام اي نزوة جيوسياسية او هبوط في اسعار برميل النفط. غير ان الخطر الاكبر لا يكمن في الازمة نفسها، بل في استمرار معالجتها بعقلية الطوارئ الارتجالية، بدلا من تبني رؤية استشرافية تعيد هندسة العلاقة بين الدولة وثروتها الطبيعية.

الرؤيا التي استنبطها من هذا المشهد ليست مجرد دعوة الى تنويع الايرادات، بل هي انتقال جوهري من اقتصاد الاستخراج الى اقتصاد الانتاج والمعرفة، اي تحويل العراق من مستاجر ارض يبيع خامه كما هو، الى مصنع قيم يضيف عمقا صناعيا وخدميا الى كل قطرة نفط، ومن دولة ريعية تنتظر العائد الشهري، الى دولة مؤسسات تمتلك سياسة مالية مرنة وعادلة.

لكي تترجم هذه الرؤيا الى واقع قابل للتطبيق، لا بد من حزمة متكاملة من الاجراءات المهنية والواقعية، ابرزها:
1. اعادة تعريف الضرائب كاداة تنموية لا كاداة عقابية: بدلا من الجهود الهشة الحالية، يجب بناء نظام ضريبي ذكي يستهدف الاقتصاد غير الرسمي ويعفى منه الشرائح الاقل دخلا، مع ربط التسهيلات الضريبية بتحقيق نسب توطين للصناعات، ما يخلق حلقة فضلى بين الاستثمار والايرادات.
2. تحويل صندوق الثروة السيادية الى حائط صد مالي: ليس المطلوب انشاء صندوق وهمي، بل صندوق شفاف تودع فيه نسبة ثابتة من كل برميل يصدر بحد ادنى عشرة بالمئة، وتستثمر عائداته في اصول دولية آمنة ومشاريع بنية تحتية عالية الربحية، على ان يمنع القانون المساس به الا في حالات الكوارث الوطنية المعلنة، مما يقطع الطريق على سياسة الاستنزاف الممنهج.
3. احياء الزراعة والصناعة بعقود الاداء: بدلا من الدعم العشوائي، يتم توقيع عقود اداء مع شركات وفلاحين لاستصلاح الاراضي الصحراوية باستخدام تقنيات الري الحديث، مع ضمان تسويق المنتجات من خلال هيئة حكومية تنافسية، وهو ما سيوفر فرص عمل ويدفع بعجلة القطاع الحقيقي دون انتظار معجزة النفط.
4. تسريع التحول الرقمي للخدمات الحكومية: ان انهاء ريع الرواتب والوظائف الوهمية يمر عبر اتمتة سوق العمل وربط الاجور بالانتاجية، ما يحرر مليارات الدينارات كانت تذهب الى التضخم الاداري ويعيدها الى الاستثمار البشري والخدمي.

ان هذه الخطوات ليست طوباوية، بل هي متاحة ومطبقة في دول مشابهة نجحت في كسر الفخ الريعي. لكن التحدي الحقيقي يكمن في الارادة السياسية والوعي المجتمعي. ان كل دولار ينفق اليوم على استيراد مواد بسيطة يمكن صناعتها محليا، هو دولار ينتزع من مستقبل ابنائنا. ويبقى السؤال الجوهري: هل ننتظر حتى يجف البئر، ام نبدأ اليوم بحفر آبار جديدة من الابداع والجهد والعدالة الضريبية؟ الاجابة التي يفرضها العقل والواقع هي ان التنويع ليس خيارا، بل هو الغطاء الواقي الوحيد الذي يحمي الدولة من الانهيار حين تخونها الجغرافيا او تتقلب الاسواق.