د. مثنى الغانمي – صحفي واكاديمي
من يتابع حضور رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار المهندس عادل الياسري في أكثر من محطة فضائية بالايام الأخيرة، يلاحظ أن الرجل لا يتعامل مع ملف الاستثمار بوصفه مجرد مجموعة من الإجراءات والسياقات، بل يحاول أن يضع يده على تفاصيل تمس حقيقة العلاقة بين الدولة والمستثمر، فتركيزه على اختصار الروتين، وتفعيل دور دائرة النافذة الواحدة، والتمييز بين المستثمر الجاد وحمايته عن غيره، يكرس منهجا واضحا لإعادة ترتيب إدارة الملف الاستثماري برمته، وهذا نتيجة لإدراك أن دولة مثل العراق لا تعاني من نقص في الفرص بقدر ما تعاني من المسافة التي تفصل الفرصة عن المستثمر، وهذه المسافة هي الروتين وتضارب الصلاحيات، وغيرها من تفاصيل متابعة المشروع، ومن هنا، فإن الحديث عن النافذة الواحدة يجب ألا يتوقف عند حدود ترشيق الروتين كون أن النافذة الحقيقية تعني شعور المستثمر أن مؤسسات الدولة تعمل أمامه كمنظومة واحدة، وتعرفه ما المطلوب منه؟، وكم يستغرق الإجراء؟، ومن يتحمل مسؤولية كل مرحلة؟ وفيما اذا نجحت الهيئة في تحويل هذا المفهوم إلى مسار واضح وقابل للتتبع، فستكون قد عالجت واحدة من أهم مشكلات البيئة الاستثمارية العراقية.
وفي الوقت نفسه، فإن حديث الياسري عن المستثمر الجاد يفتح ملفا مهما آخر، فالبيئة العراقية تحتاج إلى رأس مال ومشاريع حقيقية وقيمة اقتصادية مضافة، لا إلى إجازات تبقى حبيسة الملفات، ولذلك ينبغي أن تسير حماية المستثمر الجاد بالتوازي مع تدقيق مهني في القدرة المالية والفنية والجدية في التنفيذ، من غير أن نغفل عن حقيقة أن الإصلاح الإداري وحده لا يكفي، فهناك جانب آخر يحتاج إلى تحديث موازٍ، وهو الطريقة التي تُقدَّم بها الفرص العراقية إلى المستثمرين، إذ أن قراءة ظهور الياسري المتكرر في الفضائيات بصورة إيجابية، فتح مساحة مباشرة للحديث عن الملفات التي تشغل المستثمر، وامكانية تحويل هذه المساحة إلى جزء من منظومة أوسع.
فالرسالة التي تصل عبر الشاشة ينبغي أن تقود إلى معلومة، والمعلومة إلى فرصة، والفرصة إلى تواصل، وهذا يتطلب أن ينتقل إعلام الهيئة تدريجياً من التركيز على أخبار الاجتماعات والنشاطات إلى اتصال استثماري أكثر ذكاءً، كخرائط للمشاريع، وبيانات محدثة، وقصص نجاح، وعروض مرئية للفرص، ومحتوى باللغة الإنكليزية، ومنصة رقمية يستطيع المستثمر من خلالها فهم المشروع والتواصل مع الجهة المعنية من دون عناء.
كما تحتاج الهيئة إلى قاعدة معلومات استثمارية حديثة تجعل كل مشروع ملفاً حياً يمكن تحديثه ومتابعته، بحيث يصبح القرار مبنياً على معلومات دقيقة، ويصبح المستثمر قادراً على معرفة أين يقف مشروعه ولماذا، فالاهم أن يتغير معيار النجاح نفسه لتكون تصريحات الياسري الأخيرة يمكن أن تكون بداية لتحول أكبر، باتجاه قياس الأثر على الواقع لا على الورق فحسب.

