تقييم الحكومة بعد 100 يوم: بنية ومنهجية الاتجاه أهمّ من العدّ الزمني

د.عقيل المحمداوي | أكاديمي واستشاري

علينا الإجابة ابتداءً عن تساؤل: لماذا «الاتجاه» لا «المدة»؟

مرّ نحو مئة يوم على تشكيل الحكومة الاتحادية برئاسة السيد علي الزيدي، الذي تسلّم مهامه رسمياً في أيار/مايو 2026. وككل استحقاق تقييمي مبكر من هذا النوع، يبقى رقم «المئة يوم» توصيفاً إعلامياً وسياسياً أكثر منه معياراً موضوعياً دقيقاً؛ فمئة يوم لا تكفي لإنجاز إصلاح هيكلي حقيقي في اقتصاد يعاني تشوهات واختلالات اقتصادية ومالية متراكمة منذ عقود.

لذا، فإن المعيار الأصح ليس «كم أنجزت الحكومة؟»، بل «إلى أين تتجه؟ وما بنية هذا الاتجاه ومنهجيته الاقتصادية السليمة؟ وكيف تتحول الإنجازات إلى أرقام ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم والتقويم؟».

أي: هل اختارت المسار الصحيح منذ اللحظة الأولى، أم أنها لا تزال تدير الأزمة اليومية دون رؤية منهجية وبنيوية؟

هذا التمييز جوهري وأساسي؛ فحكومة تدير الملف المالي بكفاءة تقنية عالية، من صرف الرواتب وضبط السيولة والتفاوض مع البنك المركزي، قد تبدو ناجحة في المدى القصير، لكنها تبقى عالقة في «إدارة الاقتصاد» لا «إصلاح بنيته»، ما لم تُترجم هذه الكفاءة إلى تحول هيكلي فعلي. وهي بحاجة ضرورية إلى عقلية اقتصادية منهجية جديدة تتقن عملية إصلاح بنيته الاقتصادية بأدوات اقتصادية ومالية متكاملة وواضحة.

أولاً: أين تقف الحكومة على مسار «نهج وبنية الاتجاه الصحيح»؟

في خطابها الافتتاحي، وضعت الحكومة برنامجاً اقتصادياً وإصلاحياً في صدارة أولوياتها، مع التركيز على مكافحة الفساد وتوفير فرص عمل «بعيداً عن المحسوبيات»، وبناء بيئة تقوم على الكفاءة وتكافؤ الفرص. كما تضمّن المنهاج الوزاري توجهاً معلناً نحو تمكين القطاع الخاص باعتباره محركاً للنمو والتشغيل، انطلاقاً من إدراك أنه لم يعد ممكناً الاعتماد على القطاع العام وحده لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

هذا التوجه، من حيث المبدأ، يمثل «نهج الاتجاه الصحيح» الذي يُفترض أن يُبنى عليه التقييم. لكن الفارق الحاسم — كما تشير القراءات الاقتصادية للمنهاج الوزاري — هو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الرؤية، بل في القدرة على تنفيذها ومنهجية تحويلها من وثيقة سياسية إلى نتائج ملموسة. وهنا تحديداً يكمن الاختبار الفعلي للحكومة، لا في عدد أيامها.

ثانياً: ضرورات إصلاح البنية الاقتصادية الجوهرية… أبعد من إدارة الأموال اليومية ومواجهة أزمة مؤقتة

كشف الملف المالي خلال هذه المئة يوم عن ضغوط حقيقية، أبرزها:

  • أزمة السيولة والموازنة: تدرس الحكومة خيارات مثل الاقتراض وحذف الأصفار من الدينار لمواجهة الأزمة المالية، وسط تحذيرات من خبراء ومستشارين اقتصاديين وماليين من الاعتماد على الاقتراض لتمويل نفقات تشغيلية كالرواتب بدلاً من الاستثمار الإنتاجي.
  • استمرار الاعتماد على النفط: لا يزال الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية، فيما ترتفع كلفة الرواتب والإنفاق الحكومي وتتسع الضغوط على المالية العامة.
  • مطلب المواطن الآني: لا ينتظر المواطن خططاً طويلة الأجل فقط، بل استقراراً ملموساً في الأسعار وسعر الدولار وفرص العمل والخدمات، وهو ما لم يتحقق بعد بصورة واضحة.

هذه المؤشرات تكشف الفارق بين «إدارة الأزمة المالية»؛ أي صرف الرواتب وضبط النفقات الآنية، و«إصلاح البنية الاقتصادية»؛ أي إعادة هيكلة الإنفاق العام، وتقليل فاتورة الأجور المتضخمة تدريجياً، وتنويع مصادر الإيراد بعيداً عن الريع النفطي.

لذا، فإن الإجراءات العاجلة قد تكون ضرورية ومهمة لتفادي انهيار آني، لكنها لا تُغني عن انضباط مالي هيكلي وسياسات إعادة هيكلة حقيقية للمالية العامة، تُجنّب الدولة اللجوء المتكرر إلى حلول «الصدمة» القصيرة الأجل.

ثالثاً: قياس النجاح بالوظائف المنتجة لا بحجم الإعلانات

المعيار الأهم في أي تقييم موضوعي هو: كم وظيفة حقيقية ومنتجة خُلقت خارج جهاز الدولة؟ لا حجم الاستثمارات المعلنة ولا عدد الاتفاقيات الموقعة، بل الأثر الفعلي على سوق العمل.

على المستوى الميداني، تُظهر نشرات التوظيف الأسبوعية الصادرة عن وزارة العمل حركة توظيف مستمرة في شركات القطاع الخاص عبر عدة محافظات، وهي خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تبقى، من حيث الحجم والانتظام، بعيدة عن المستوى المطلوب لاستيعاب الداخلين الجدد سنوياً إلى سوق العمل العراقي، والذي يُقدّر بمئات الآلاف.

والفارق الجوهري هنا يكمن في الآتي:

  • المعيار الشكلي: عدد الاتفاقيات الاستثمارية الموقعة.
    المعيار الحقيقي: عدد الوظائف الفعلية التي بدأت التشغيل.
  • المعيار الشكلي: حجم الاستثمار المعلن بالدولار.
    المعيار الحقيقي: نسبة الاستثمار الموجّه إلى القطاعات الإنتاجية غير النفطية.
  • المعيار الشكلي: إعلانات التوظيف الحكومي المؤقت.
    المعيار الحقيقي: نمو التوظيف الدائم في القطاع الخاص المسجّل رسمياً.
  • المعيار الشكلي: النمو الاسمي في الناتج المحلي.
    المعيار الحقيقي: نمو القطاعات غير النفطية تحديداً.

ولا يُقاس النجاح الحقيقي بأرقام الإعلان وكثرة الحديث عن الإنجازات، بل بمدى تحوّل هذه الأرقام إلى إنجازات راسخة وملموسة، ووظائف مستقرة ومنتجة ذات قيمة مضافة، لا تتبخر مع أول تراجع في السيولة الحكومية.

رابعاً: نحو اقتصاد لا يقوم على الوظيفة الحكومية وحدها

جوهر الإشكال البنيوي في الاقتصاد العراقي هو الاعتماد المفرط على التوظيف الحكومي كأداة لتوزيع الريع النفطي، بدلاً من كونه استجابة لحاجة إنتاجية فعلية. وهذا النمط غير مستدام لعدة أسباب:

  1. الهشاشة المالية: أي تراجع في أسعار النفط أو الإيرادات ينعكس مباشرة على القدرة على دفع الرواتب، كما يظهر جلياً في أزمة السيولة الحالية.
  2. غياب القيمة المضافة: التوظيف الحكومي المتضخم لا يخلق بالضرورة إنتاجية اقتصادية موازية.
  3. إقصاء القطاع الخاص: هيمنة الدولة على سوق التوظيف تُضعف حوافز الأفراد للاتجاه نحو ريادة الأعمال أو العمل في القطاع الخاص، وتُبقي الاقتصاد رهينة الموازنة العامة.

المنهاج الوزاري يتضمن، من حيث النص، توجهاً نحو تمكين القطاع الخاص، لكن نجاح هذا التوجه — كما تشير القراءات المتخصصة — مشروط بإصلاح البيئة التشريعية والقانونية، وتحسين مناخ الأعمال، وتقليل البيروقراطية والفساد الإداري، وهي عوامل لا تزال تمثل عقبات حقيقية أمام المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.

وبعبارة أخرى: النية معلنة، لكن الأدوات التنفيذية لم تُختبر بعد بما يكفي للحكم عليها.

خامساً: خلاصة التقييم — أين «الاتجاه» فعلاً؟

بالعودة إلى معيار «الاتجاه لا المدة»، يمكن تلخيص الصورة كما يلي:

الإيجابيات المسجّلة في الاتجاه:

  • طرح خطاب إصلاحي واضح منذ اليوم الأول، يضع مكافحة الفساد وتمكين القطاع الخاص في صدارة الأولويات المعلنة.
  • فتح ملفات حساسة كانت تُعد من الأصعب في المشهد العراقي، مثل حصر السلاح والانفتاح الاقتصادي والقرار السيادي.
  • استمرار آلية أسبوعية لتوفير فرص عمل في القطاع الخاص، وإن كانت محدودة الحجم نسبياً.

الثغرات التي لا يزال الاتجاه بحاجة إلى إثباتها:

  • لم تتحول أغلب هذه الملفات بعد إلى نتائج اقتصادية وخدمية ملموسة يشعر بها المواطن بشكل حقيقي وواقعي.
  • استمرار اللجوء إلى أدوات إدارة الأزمة الآنية، مثل الاقتراض وحذف الأصفار، بدلاً من إصلاح هيكلي في بنية الإنفاق العام وفاتورة الرواتب، وإجراء إصلاح ملموس لبنية الاقتصاد الحقيقي.
  • غياب مؤشرات كمية واضحة حتى الآن حول نسبة الوظائف «المنتجة» الفعلية المستحدثة خارج جهاز الدولة، مقارنة بالوعود المعلنة.

الخلاصة

الاتجاه المعلن للحكومة — نظرياً — يتقاطع مع ما ينبغي أن يكون عليه: إصلاح هيكلي، وتمكين للقطاع الخاص، وتنويع اقتصادي بعيداً عن الريع النفطي والوظيفة الحكومية.

لكن مئة يوم لا تكفي لاختبار الجدية الفعلية لهذا الاتجاه، ولا لإجراء تقييم موضوعي وقياسي للإصلاح البنيوي الحقيقي الملموس، بل تكفي فقط لرصد «نقطة الانطلاق».

وبالتأكيد، فإن التقييم الحاسم سيأتي لاحقاً، حين يُقاس الأداء بمعيارين لا ثالث لهما: هل تراجعت فاتورة الرواتب الحكومية نسبياً لصالح إنفاق استثماري إنتاجي؟ وهل ارتفع عدد الوظائف الدائمة والمنتجة في القطاع الخاص بشكل قابل للقياس؟

وحتى تتوفر إجابة واضحة عن هذين السؤالين، يبقى الحكم على الحكومة حكماً على النوايا ومنهجية وبنية الاتجاه الصحيح، لا على النتائج فقط.