أمين صباح زغير | شبكة إنماز نيوز
تُعدّ ظاهرة «المستشيخين الجدد» من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي برزت في المجتمع العراقي، لا سيما بعد عام 2003، حيث اختلط الحابل بالنابل، وأصبح لقب «الشيخ»، يُطلق على كل من هبّ ودبّ، مما أدى إلى فقدان هذا اللقب لقيمته ومعناه الحقيقي.
فكلمة «شيخ» لم تكن في السابق مجرد لقب يُتداول بين الناس، بل كانت تمثل مكانة اجتماعية رفيعة، تُمنح لمن يتصف بالحكمة، والعدالة، وحسن السيرة، والالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية. أما اليوم، فقد أصبح هذا اللقب رائجًا بين أشخاص لا تتوفر فيهم أبسط صفات الشيخ، لا دينيًا ولا أخلاقيًا، وللأسف الشديد، باتت «المشيخة» تُشترى بالمال أو تُكتسب بالمناصب (ولا نعمم، فهناك شيوخ أصلاء حافظوا على قيمهم ومبادئهم).
أولئك الشيوخ الأصلاء الذين ورثوا القيم لا الألقاب، وتمسكوا بالمبادئ التي تربّوا عليها، لا تأخذهم في الحق لومة لائم، يقولون الحق وإن كان مرًّا، ولا يساومون عليه من أجل جاهٍ أو مال أو مصلحة.
وفي المقابل، برزت فئة من «المستشيخين الجدد» الذين يمكن تلخيص حالهم بالمثل الشعبي: «البس عكال وكول أنا شيخ»، حيث لم تعد المشيخة تُنال بالاستحقاق، بل بالمظاهر والادعاءات، مما أفقدها هيبتها واحترامها الذي كانت تتمتع به في السابق.
لقد كانت المشيخة محصورة بشيوخ العشائر وكبراء القوم، ممن ورثوا هذا الدور أبًا عن جد، ولكن حتى هذا الإرث لا يكفي وحده، إذ لا بد أن يكون من يتولى المشيخة صالحًا، مثقفًا، عارفًا بحقوق الله وتعاليم الدين الإسلامي، متصفًا بحسن السيرة والاستقامة والعدل والتواضع والصدق.
فليس كل ابن شيخٍ جدير بأن يكون شيخًا بعد أبيه، وقد شهدنا حالات كثيرة لأشخاص سعوا إلى تسلّم المشيخة وهم غير مؤهلين لذلك، من حيث السلوك أو السمعة أو القدرة على قيادة عشيرتهم. فكيف يُؤتمن على عشيرة من لا يستطيع إصلاح عائلته؟ وكيف يُسمع كلامه بين الناس إن لم يكن مسموعًا داخل بيته؟
إنَّ من أبرز مظاهر هذه الظاهرة، أن بعض المستشيخين يتدخلون في القضايا العشائرية بغير وجه حق، مستخدمين أساليب ملتوية، كالدجل والنفاق وتحريف الحقائق، ولبس الحق بالباطل، والكذب والافتراء، مصداقًا لقوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون).
بل إن بعضهم يتكالب على المظلوم، ويمارس الضغط عليه للتنازل عن حقه بحجة «حل النزاع» (الستر) مما يؤدي إلى ضياع الحقوق وانتشار الظلم، وهو ما تسبب في تشتت بعض العشائر وكثرة النزاعات بينها.
وقال المدير السابق لمديرية شؤون العشائر في وزارة الداخلية اللواء ناصر النوري في تصريح لـ«إنماز»، إن “ظاهرة المستشيخين الجدد ليست مجرد أزمة ألقاب، بل أزمة وعي مجتمعي، لأن منح المكانة الاجتماعية لمن لا يستحقها يؤدي إلى اختلال منظومة القيم، ويخلق نماذج مزيفة تؤثر في الأجيال القادمة”.
ومن جانبه، أوضح النائب السابق الشيخ حيدر محمد جثير الأزيرجاوي، في تصريح لـ«إنماز»، ان المشيخة الحقيقية لا تُشترى بالأموال ولا تُصنع بالمظاهر، بل تُبنى على تاريخ من المواقف والصدق والإصلاح بين الناس. الشيخ الحقيقي هو من يقف مع المظلوم لا من يبحث عن المنفعة الشخصية.
أما الشيخ خليل مناتي ابو فهد اللامي فقال في تصريح لـ«إنماز»، إن: هناك فرق كبير بين من يحمل لقب الشيخ كمسؤولية أخلاقية واجتماعية، وبين من يتعامل معه كوسيلة للنفوذ والوجاهة. الدين يدعو إلى الصدق والأمانة لا إلى صناعة الألقاب الوهمية.
وفي السياق ذاته، أكد الشيخ المهندس احسان موسى غانم الهليجيفي تصريح لـ«إنماز»، إن” انتشار هذه الظاهرة بعد عام 2003 جاء نتيجة التحولات الاجتماعية والسياسية وضعف الرقابة المجتمعية، ما أوجد بيئة سمحت بظهور شخصيات تدّعي أدوارًا أكبر من قدراتها الحقيقية.
وأشار الشيخ غسان جبار المرعب الدراجي خلال تصريح لـ«إنماز»، إلى أن” التصدي لهذه الظاهرة مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة والمدرسة والعشيرة والمؤسسات الدينية والإعلامية، لأن السكوت عن الخطأ يمنحه شرعية غير مستحقة.”
رسالة إلى هؤلاء الدخلاء على المشيخة: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فليس كل من امتلك المال أو ارتدى العباءة أصبح شيخًا. فالمشيخة ليست مظهرًا، بل مسؤولية وأمانة، تتطلب أخلاقًا رفيعة وصفاتٍ نبيلة.
فالشيخ الحقيقي هو من يتحلى بالصدق، والاستقامة، والعدل، والتواضع، ويعرف حقوق الله وأهل بيته، ولا يكذب ولا ينافق ولا يجامل على حساب الحق، بل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
أما رسالتي إلى الشيوخ الأصلاء، فإن مسؤولية الحد من هذه الظاهرة تقع على عاتقكم أيضًا، إذ إن التهاون أو المجاملة أسهما في انتشار هؤلاء الدخلاء. وعليه، لا بد من وضع النقاط على الحروف، والتمييز بين الحق والباطل، وعدم مجاملتهم، بل مقاطعتهم ورفض تصرفاتهم، حتى يعرف كل إنسان حجمه الطبيعي.
يُلاحظ أن بعض من يُطلق عليهم شيوخ، سواء من الأصلاء أو المستشيخين، لا يلتزمون ببعض المظاهر الدينية، ومنها حلق اللحية، وهو أمرٌ محل نقاش فقهي بين العلماء. ويرى عدد من مراجع الشيعة أن حلق اللحية بالموس دون عذر غير جائز، وتترتب عليه آثار شرعية تتعلق بالعدالة وقبول الشهادة، وذلك وفقًا لآرائهم الفقهية المعروفة.
حكم حلق اللحية بالموس بدون عذر عند معظم مراجع الشيعة ومنها :-
1- ابو القاسم الخوئي : حرام و فاسق ، تسقط عدالته ولا يجوز الأتمان فيه ولا تؤخد شهادته شرعآ وإذا كان شاهدآ عقد الطلاق فيكون هذا الطلاق باطل.
2- السيد علي السيستاني دام الله ظله :- حرام ولا تترتب على حالق اللحية اثر العدالة ( لايجوز الصلاة خلفه ولا يجوز اخذ شهادته.
3- الشهيد محمد محمد صادق الصدر :- حرام ، لا تقبل شهادته ، في الآخرة يستحق الدخول إلى النار.

