عمر سعد سلمان – كاتب اقتصادي عراقي
يشهد الاقتصاد الإيراني منذ 28 شباط الماضي تراجعاً بطيئاً وقاسي يدفع ثمنه الشعب الإيراني من قوته اليومي. فالحكومة الإيرانية اتجهت الى القيام بحزم تقشف قاسية شملت تخفيض الدعم على الوقود والمياه والكهرباء، وتم حصر الدعم في بنود شراء القمح وحليب الأطفال وبعض الادوية الى جانب قيام السلطة النقدية بإيقاف الديون الاستهلاكية المعتمدة على بطاقات الائتمان للحد من توسع قاعدة المتعثرين عند السداد.
وهذه الإجراءات لم تكن كافية للحد من التضخم المنفلت الذي تخطى 68% وسعر الصرف الذي هبط 13.41%، وتوقع صندوق النقد الدولي حصول انكماش للاقتصاد الإيراني قدره 6.8% هو الأعلى منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية 1988.
وبرزت مشكلة عدم تأمين الرواتب في الشهر الماضي والتي اثرت على معيشة المواطنين والتي تمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والحكومة والا سيلجأ الشعب الى الاحتجاجات والمظاهرات التي تعول عليها الولايات المتحدة لزعزعة الجبهة الداخلية الإيرانية المتماسكة منذ عقود رغم العقوبات الدولية المتكررة.
الولايات المتحدة استهدفت صناعة الغاز الإيراني التي تراجع انتاجها 35% بفعل الغارات الجوية على المنشأت والمباني المرتبطة بهذه الصناعة، وفرضت حصاراً بحرياً خانقاً لمنع تدفق الصادرات النفطية الإيرانية حول العالم عبر اسطول الظل الذي كان يصدر سنوياً كميات بحدود 43 مليار دولار قبل الحرب. ويتوقع خبراء الاقتصاد والمال وصول التضخم الى 80% في الأشهر القليلة المقبلة في حال استمر هذا الحصار في وضعه الحالي بالتزامن مع استمرار الحكومة الإيرانية في طبع العملة لتغطية رواتب القطاع العام.
في حال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران واستهداف ما تبقى من مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء وشبكات الغاز التي لوحت الولايات المتحدة باستهدافها أكثر من مرة فيعني ذلك حصول سقوط حر للاقتصاد الإيراني وانهيار الصناعة والزراعة وقطاع الطاقة والخدمات.
الجهود الدبلوماسية لن تتوقف لاحتواء هذه الازمة التي طال انتظارها والتي اثرت على الاقتصاد العالمي عموماً واقتصاديات دول المنطقة خصوصاً ولا مصلحة للجميع في استمرارها خصوصا مع إصرار طرفي الصراع على شروط سلام غير واقعية.
فالقيادة الإيرانية ترغب في انهاء الصراع مع الولايات المتحدة لكي تتجنب الضغوط الاقتصادية الحالية، لكنها ترفض تقديم تنازلات تمس نفوذها الإقليمي، مما يجعل المفاوضات الحالية في حالة تعثر. خصوصاً ان شروط إيران هي غير قابلة للتفاوض 4 منها من أصل 6 هي شروط اقتصادية 100% تركز على رفع الحصار البحري ودفع تعويضات الحرب لها من قبل الولايات المتحدة.
وتلمح بعض قيادات الحرس الثوري الإيراني الى ان البلاد قادرة على إطالة امد الحرب وتحويل الاقتصاد الى اقتصاد بقاء، بينما تعول الولايات المتحدة على استراتيجية الانهاك الاقتصادي لإجبار إيران على توقيع اتفاق سلام وفقاً للشروط الامريكية مما يجعل التوصل الى تسوية سريعة امراً مستبعداً في الوقت الحالي.

