علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
هناك مصطلح يتكرر كثيراً في النقاش العراقي خلال السنوات الأخيرة. السلاح المنفلت. ويبدو للوهلة الأولى أنه مصطلح واضح لا يحتاج إلى نقاش. سلاح خارج المؤسسة العسكرية. إذن هو خطر على الدولة. لكن السياسة أكثر تعقيداً من التعريفات الجاهزة.
فالسؤال الذي يستحق النقاش ليس فقط أين يوجد السلاح. وإنما لماذا وجد. ومن يوجهه. وما المهمة التي يقول إنه يؤديها. وهل استخدم ضد الدولة ومؤسساتها. أم في مواجهة تهديدات اعتبرها قطاع واسع من المجتمع أخطاراً على وجوده وأمنه.
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في العراق. لأن الدولة التي يفترض أن تحتكر القوة هي نفسها دولة ما زالت تواجه تحديات في ممارسة سيادتها الكاملة. حدودها تعرضت لاختراقات. وأراضيها شهدت وجوداً عسكرياً أجنبياً. وسماؤها تعرضت لعمليات عسكرية من أطراف خارجية. وتنظيمات إرهابية تمكنت في مرحلة سابقة من السيطرة على مساحات واسعة من أراضيها.
هنا يصبح النقاش حول السلاح أكثر تعقيداً من عبارة واحدة.
الدستور يجعل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مسؤولة عن حماية العراق. وهذه قاعدة ضرورية لأي دولة مستقرة. لكن احتكار الدولة للقوة لا يبدأ من مطالبة الآخرين بتسليم سلاحهم فقط. إنه يبدأ من قدرة الدولة على حماية حدودها. وتأمين مجالها الجوي. وردع أي قوة أجنبية عن انتهاك أراضيها. وحماية مواطنيها عندما تواجه تهديداً وجودياً.
التجربة العراقية تقدم أمثلة كثيرة على الفجوة بين النص والواقع. وجود عسكري تركي داخل الأراضي العراقية ظل سنوات موضع خلاف سياسي وسيادي. وجود قوات أجنبية أخرى ارتبط بملفات الأمن ومحاربة الإرهاب. ضربات جوية استهدفت مواقع داخل العراق. وأجواء عراقية استخدمت في عمليات عسكرية لم تكن بغداد دائماً صاحبة القرار فيها.
عند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إحراجاً.
كيف تطلب من الدولة احتكار السلاح قبل أن تصبح قادرة على احتكار السماء.
لا تعني هذه الفكرة أن عجز الدولة يمنح أي جماعة مسلحة تفويضاً مفتوحاً. ولا تعني أن كل استخدام للقوة يصبح مشروعاً لمجرد رفع عنوان المقاومة. الدولة تحتاج إلى قواعد واضحة للمساءلة. والفصائل تحتاج إلى أن تكون أفعالها قابلة للنقاش السياسي والقانوني. لكن تجاهل البيئة التي أنتجت هذه الفصائل يجعل النقاش ناقصاً منذ بدايته.
العراق لم يعرف المقاومة المسلحة في فراغ سياسي. نشأت فصائل عديدة في مراحل مختلفة لمواجهة احتلال أو إرهاب أو تهديدات أمنية. ثم جاءت الحرب على تنظيم داعش لتعيد تعريف موقع القوة المسلحة داخل المجتمع والدولة. في تلك المرحلة لم يكن النقاش يدور حول فكرة مجردة. كان يدور حول مدن مهددة. وسكان نازحين. ودولة تعرضت أجزاء من أراضيها للانهيار الأمني.
ولهذا احتفظت هذه الفصائل برصيد اجتماعي لدى شريحة واسعة من العراقيين. هناك جمهور يرى فيها ضمانة أمنية. ويعتقد أن وجودها يمثل طبقة إضافية من الردع في بيئة إقليمية غير مستقرة. هذا الاعتقاد لا يمكن إلغاؤه بوصفه دعاية حزبية. كما لا يمكن تحويله تلقائياً إلى شرعية دستورية كاملة. لكنه حقيقة اجتماعية وسياسية يجب أن تدخل في أي نقاش جدي حول مستقبل السلاح.
فالشرعية السياسية لا تأتي من صناديق الاقتراع وحدها. ولا تأتي من امتلاك القوة وحده. هناك أيضاً شرعية اجتماعية تتشكل عبر التجربة والذاكرة والخوف والحاجة إلى الحماية.
ومن الخطأ أن يتعامل أي مشروع لإعادة تنظيم السلاح مع هذه الحقيقة وكأنها تفصيل هامشي.
الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل في المعادلة. فالدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة تبدو في ظاهرها دعوة إلى تعزيز السيادة. وهي فكرة لا يختلف عليها اثنان من حيث المبدأ. لكن السياسة لا تقاس بالشعارات وحدها. المصالح التي تقف خلفها مهمة أيضاً.
بالنسبة إلى واشنطن. وجود قوة عراقية مسلحة تمتلك قدرة مستقلة على الردع يمثل مشكلة استراتيجية. هذه القوة تستطيع التأثير في حسابات الوجود العسكري الأمريكي. وتستطيع رفع كلفة أي مواجهة إقليمية. كما تستطيع أن تجعل الأراضي العراقية أقل قابلية للاستخدام كمساحة مريحة للقوات الأجنبية.
وبالنسبة إلى إسرائيل. تصبح المسألة أكثر وضوحاً. أي قوة مسلحة عراقية تمتلك تصوراً عدائياً تجاه المشروع الإسرائيلي وقدرة على التحرك الإقليمي يمكن أن تدخل في حسابات الردع الأوسع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
لذلك يصبح نزع السلاح قضية تتجاوز الداخل العراقي.
فالمسألة لا تتعلق فقط بكيفية تنظيم الدولة العراقية لقوتها المسلحة. وإنما تتصل أيضاً بالبيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها. واشنطن تريد عراقاً أكثر قابلية للاندماج في منظومتها الأمنية. وإسرائيل تنظر إلى أي قوة مسلحة قادرة على التأثير في معادلات الردع الإقليمية باعتبارها تهديداً محتملاً. وفي هذه البيئة يصبح سلاح الفصائل جزءاً من حسابات أكبر من حدود العراق.
هنا تظهر ازدواجية المصطلحات.
حين تستخدم قوة عراقية السلاح ضد قوة أجنبية يصبح السلاح في الخطاب السياسي سلاحاً منفلتاً. وحين تمتلك دولة أجنبية ترسانة ضخمة وتستخدمها خارج حدودها يصبح الحديث أكثر نعومة. الأمن القومي. الردع. حماية المصالح. مكافحة الإرهاب. الدفاع الوقائي.
المشكلة ليست في وجود المصطلحات. المشكلة في معيار استخدامها.
القانون الدولي لا يمنح كل جماعة مسلحة حقاً مطلقاً في استخدام القوة. لكنه يعترف بمبدأ سيادة الدول وحقها في الدفاع عن نفسها وفق القواعد المعمول بها. كما أن تاريخ حركات التحرر ومقاومة الاحتلال أنتج نقاشاً قانونياً وسياسياً واسعاً حول مشروعية مقاومة الاحتلال. لذلك فإن اختزال المسألة كلها في عبارة السلاح المنفلت لا يقدم إجابة قانونية مكتملة.
هناك أيضاً مسألة أكثر ارتباطاً بالعراق نفسه.
هل تهدد هذه الفصائل بنية الدولة فعلاً.
هذا السؤال يحتاج إلى إجابة قائمة على الوقائع. وليس على موقع السلاح وحده.
إذا كان السلاح موجهاً بصورة أساسية نحو الدولة ومؤسساتها. وإذا كانت الجماعات تستخدمه لفرض إرادتها على المجتمع. وإذا تحولت القوة إلى وسيلة للاستيلاء على القرار السياسي. فهنا توجد مشكلة حقيقية تمس الدولة مباشرة.
لكن إذا كانت القوة تستخدم ضمن تصور معلن للردع الخارجي. وتحتفظ بعلاقة سياسية مع مؤسسات الدولة. وتشارك بعض هذه الفصائل في المنظومة السياسية نفسها. فإن وصفها جميعاً بأنها مجموعات منفلتة يصبح أقل قدرة على تفسير الواقع.
وهنا تقع المفارقة العراقية.
الدولة تريد احتكار القوة. وبعض القوى التي تحمل السلاح موجودة داخل العملية السياسية نفسها. وجمهور واسع يرى في هذه القوى جزءاً من منظومة الحماية. والقوى الأجنبية تضغط باتجاه إعادة ترتيب هذه المعادلة. بينما لا تزال قدرة الدولة العسكرية والسيادية تواجه قيوداً واقعية.
هذه ليست معادلة يمكن حلها بقرار إداري.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نضع قوات البيشمركة داخل النقاش. فالعراق يمتلك قوة عسكرية كبيرة تتمتع بوضع قانوني خاص داخل إقليم كردستان. لكنها ترتبط تاريخياً وسياسياً ببنية حزبية إقليمية. وما زالت مسألة توحيد القرار العسكري وربطه بصورة كاملة بالمؤسسة الاتحادية في بغداد موضع نقاش سياسي ودستوري.
شهد العراق مراحل توتر ومواجهات بين القوات الاتحادية وقوات الإقليم. كما شهد نزاعات حول المناطق المتنازع عليها. ولذلك فإن الحديث عن السلاح خارج نطاق الدولة لا يستطيع تجاهل هذه التجربة.
إذا كان المعيار هو خضوع القوة المسلحة للقرار السيادي العراقي. فيجب أن يكون المعيار واحداً. لا يصح أن يصبح السلاح مشكلة عندما يكون مرتبطاً بقوى سياسية معينة. ثم يصبح وضعه مختلفاً عندما يكون مرتبطاً بقوى سياسية أخرى.
المقارنة هنا لا تستهدف شرعية وجود البيشمركة. وإنما تكشف ازدواجية المعيار. الدولة التي تريد تنظيم السلاح مطالبة بوضع قاعدة واحدة تطبق على الجميع. الفصائل. والبيشمركة. وأي تشكيل مسلح آخر. وكذلك الوجود العسكري الأجنبي الذي يطرح بدوره سؤالاً أكثر جوهرية حول معنى السيادة.
فإذا كانت السيادة تعني أن قرار القوة المسلحة يجب أن يكون عراقياً. فإن هذا المبدأ ينبغي أن يشمل كل قوة موجودة على الأرض العراقية. لا أن يتحول إلى أداة سياسية تستخدم ضد طرف وتستثني طرفاً آخر.
هنا يدخل العامل الأمريكي في قلب النقاش بصورة أوضح. فواشنطن لا تقرأ مسألة السلاح العراقي من زاوية بناء الدولة العراقية وحدها. لديها مصالح أمنية وعسكرية في المنطقة. ولديها تحالفات مع أطراف إقليمية. ولديها حسابات مرتبطة بإيران وأمن إسرائيل وتوازنات الشرق الأوسط.
ولهذا فإن الضغط باتجاه حصر السلاح لا يمكن فصله تماماً عن هذه المصالح. فالقوة العراقية التي تمتلك قدرة مستقلة على الردع تستطيع التأثير في حسابات الوجود الأمريكي. وتستطيع رفع كلفة أي مواجهة إقليمية. كما تستطيع الحد من قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على استخدام العراق ضمن ترتيبات أمنية تخدم مصالحهم.
وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال لا يحظى دائماً بالقدر الكافي من النقاش. هل يجري تنظيم السلاح وفق حاجة الدولة العراقية. أم وفق تصور أوسع لأمن الولايات المتحدة وحلفائها.
لا يعني ذلك أن كل دعوة إلى حصر السلاح تصدر بأمر أمريكي. ولا يعني أن الدولة العراقية لا تحتاج إلى تنظيم مصادر القوة. لكنه يعني أن قراءة المشهد تحتاج إلى النظر في المصالح التي تتحرك خلف الخطاب السياسي. فالدول لا تبني سياساتها الخارجية على المبادئ وحدها. إنها تحسب مصالحها وأمنها وموازين القوة.
العراق يحتاج إلى إجابة عراقية عن هذا السؤال.
الدولة القوية لا تحتاج إلى إقناع المجتمع بأن التخلي عن السلاح سيجعله أكثر أمناً. الدولة القوية تجعل المجتمع يرى ذلك بنفسه. عندما يصبح الجيش قادراً على حماية الحدود. والدفاع عن الأجواء. وردع الاعتداءات. ومواجهة الإرهاب. وحماية النظام السياسي من الانهيار. يصبح احتكار السلاح نتيجة طبيعية لقوة الدولة.
أما مطالبة المجتمع بالتخلي عن أدوات الردع قبل بناء البديل. فقد تنتج فراغاً أكثر مما تنتج دولة.
وهنا يجب النظر إلى التاريخ العراقي بعين أكثر هدوءاً. القوة التي حملتها الفصائل لم تظهر فقط نتيجة رغبة في النفوذ. ظهرت أيضاً نتيجة ضعف الدولة في مراحل مختلفة. وكلما ضعفت الدولة ظهرت قوى تملأ الفراغ. وكلما استعادت الدولة جزءاً من قدرتها بدأت الحاجة إلى إعادة تنظيم تلك القوى.
هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تحكم النقاش.
ليس المطلوب دولة تتعايش إلى الأبد مع تعدد مراكز القوة. كما لا يكفي أن يجري نزع السلاح من طرف واحد بينما تبقى السيادة نفسها قابلة للاختراق من أطراف خارجية.
المطلوب دولة تستطيع أن تقول للقوة الأجنبية لا. وتستطيع حماية سمائها. وتستطيع حماية حدودها. وتستطيع الرد على الإرهاب. وتستطيع الدفاع عن مواطنيها. ثم تستطيع بعد ذلك أن تقول لجميع مواطنيها إن السلاح الذي يحميكم أصبح موجوداً في يد الدولة.
عندها يصبح احتكار السلاح تعبيراً عن السيادة.
قبل ذلك قد يتحول الشعار إلى مطالبة باحتكار السلاح مع بقاء السيادة نفسها ناقصة.
وهنا ربما يكون أكثر ما يحتاجه العراق هو الخروج من الثنائية السهلة. سلاح الدولة مقابل سلاح الفصائل. الدولة مقابل المقاومة. الوطنية مقابل السلاح. هذه الثنائيات لا تفسر الواقع العراقي.
العراق يحتاج إلى دولة قوية. والمقاومة التي نشأت في مواجهة الاحتلال والإرهاب تحتاج إلى أن تعرف موقعها داخل الدولة. والمجتمع الذي منحها ثقته يحتاج إلى ضمانات حقيقية. والقوى السياسية مطالبة بأن تفصل بين السلاح الذي يستند إلى مفهوم الردع وبين السلاح الذي يمكن أن يتحول إلى أداة نفوذ سياسي.
فالسيادة لا تتحقق بمجرد أن يصبح السلاح في مستودعات الدولة.
السيادة تتحقق عندما يصبح قرار الحرب والسلم عراقياً. وعندما تصبح السماء عراقية. والحدود عراقية. والأرض عراقية. وعندما تعرف كل قوة داخل العراق أن الدولة هي المرجع النهائي للقوة.
حتى ذلك الوقت سيبقى النقاش حول السلاح يدور حول النتيجة. بينما أصل المشكلة موجود في مكان آخر.
من يملك القدرة على حماية العراق عندما تكون الدولة نفسها عاجزة عن حماية كل ما يقع تحت سيادتها.

