علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
تبدو فكرة حذف ثلاثة أصفار من العملة العراقية بسيطة في ظاهرها. رقم أقل على الورقة النقدية. حسابات أكثر سهولة. وأسعار تبدو أقرب إلى ما اعتادت عليه الاقتصادات المستقرة. لكن إصلاح العملة لا يبدأ من شكل الورقة النقدية. يبدأ من حالة الاقتصاد الذي تقف خلفها.
العراق لا يواجه مشكلة في عدد الأصفار بقدر ما يواجه مشكلة في قيمة الدينار الذي تحمل تلك الأصفار. ولهذا فإن أي قرار بإعادة تسمية الوحدة النقدية سيكون أكبر من عملية حسابية. إنه اختبار لقدرة الدولة على إدارة النقد. وضبط الأسعار. والسيطرة على السيولة. وحماية المدخرات. ومنع الاقتصاد الموازي من تحويل الإصلاح إلى فرصة جديدة للربح.
الفكرة نفسها ليست جديدة. وقد ظهرت سابقاً ضمن مقترحات اقتصادية هدفت إلى معالجة الاختلالات النقدية وتبسيط التعاملات المالية. ثم عادت إلى الواجهة ضمن النقاشات الحكومية الأخيرة. لكن عودة الفكرة لا تعني أن الظروف الاقتصادية أصبحت بالضرورة أكثر ملاءمة لتنفيذها.
هنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية
حذف الأصفار لا يعني في حد ذاته ارتفاع قيمة الدينار. إذا كان سعر سلعة ما عشرة آلاف دينار قبل الإصلاح. فقد تصبح عشرة دنانير بعد حذف ثلاثة أصفار. والراتب الذي يبلغ مليون دينار قد يصبح ألف دينار. والمدخرات تتحول بالنسبة نفسها. القوة الشرائية لا تتغير لمجرد تغيير وحدة الحساب.
وهذه ليست مسألة نظرية. تركيا حذفت ستة أصفار من عملتها عام 2005. لكنها لم تفعل ذلك لأنها اكتشفت أن المشكلة موجودة في عدد الأصفار. سبق العملية برنامج اقتصادي واسع ساعد على خفض التضخم واستعادة الثقة بالليرة وإعادة ضبط المالية العامة. لذلك نجحت العملية باعتبارها نهاية لمسار اقتصادي. وليس باعتبارها بديلاً عنه.
تقدم البرازيل مثالاً مختلفاً. فقد احتاجت البلاد إلى سلسلة من الإصلاحات النقدية قبل أن تستقر عملتها ضمن خطة الريال في تسعينيات القرن الماضي. بينما تقدم زيمبابوي الصورة المعاكسة. فقد أدى الانهيار النقدي والتضخم المفرط إلى طباعة أوراق نقدية بأرقام هائلة ثم التخلي عن العملة المحلية لفترة.
المغزى من هذه التجارب ليس أن العراق سيكرر أياً منها. الظروف مختلفة. المؤسسات مختلفة. وحجم الاقتصاد وطبيعة موارده مختلفة. لكن التجارب الثلاث تقول شيئاً واحداً. العملة لا تصلح الاقتصاد. الاقتصاد المستقر هو الذي يسمح للعملة بأن تصبح مستقرة.
العراق يملك مشكلة أكثر تعقيداً من ارتفاع عدد الأصفار. الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط. والإنفاق العام يشكل محوراً أساسياً للنشاط الاقتصادي. والقطاع الخاص ما زال عاجزاً عن لعب الدور الذي يفترض أن يؤديه في خلق الوظائف والاستثمار. والسوق النقدية ما زالت تتأثر بحركة الدولار وبالفارق بين القنوات الرسمية وغير الرسمية.
وتظهر هذه الحقيقة في حجم السيولة المتداولة داخل الاقتصاد العراقي. فقد تجاوزت العملة المصدرة والمتداولة عشرات التريليونات من الدنانير وفق بيانات نقدية رسمية خلال السنوات الأخيرة. وهذه ليست مجرد أرقام على جداول البنك المركزي. إنها كتلة مالية ضخمة تحتاج إلى إدارة دقيقة عند الانتقال إلى عملة جديدة.
كما أن العراق ما زال اقتصاداً عالي الاعتماد على النقد. وهذه مشكلة تتجاوز شكل العملة. فكلما بقيت المعاملات النقدية خارج المصارف واسعة. بقيت قدرة الدولة على معرفة حركة الأموال محدودة. وكلما توسعت الخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني. أصبحت مراقبة الاقتصاد أكثر دقة.
في اقتصاد بهذه الخصائص. يصبح توقيت الإصلاح أهم من الإصلاح نفسه.
الدولة التي تريد تغيير عملتها تحتاج إلى إجابة دقيقة عن حجم الكتلة النقدية. وحجم الودائع. والأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي. وحجم التداول بالدولار. وحجم الاقتصاد غير الرسمي. كما تحتاج إلى معرفة كمية الأموال التي ستعود إلى المصارف عند استبدال العملة.
وهنا يظهر ملف شديد الحساسية.
غسيل الأموال.
عملية استبدال العملة تمنح الدولة فرصة استثنائية لمعرفة الأموال الموجودة فعلياً في السوق. لكنها تمنح أصحاب الأموال غير المشروعة فرصة لمحاولة إدخال أموالهم إلى النظام المالي إذا لم تكن الإجراءات الرقابية صارمة.
والأهم أن المسألة العراقية لا تتعلق فقط بأموال غسيل الأموال بالمعنى التقليدي. هناك أيضاً أموال عامة منهوبة. وأموال حصل عليها أصحابها من عقود أو صفقات أو امتيازات غير مشروعة. وأموال جرى إخراجها من الدورة الاقتصادية الرسمية وإخفاؤها في صورة نقد أو عقارات أو شركات أو حسابات خارجية.
هنا يصبح تغيير العملة اختباراً للدولة.
ماذا سيحدث للأموال التي سرقت من المال العام ثم تحولت إلى نقد.
هل سيجبر أصحابها على إخراجها.
نظرياً. يمكن أن تمنح عملية استبدال العملة الدولة نافذة نادرة لمراقبة الأموال التي تدخل النظام المالي من جديد. الأموال النقدية الكبيرة التي كانت مخفية ستحتاج في مرحلة ما إلى أن تتحول إلى عملة جديدة. وإذا ربطت الدولة عملية الاستبدال بإجراءات صارمة لمعرفة مصدر الأموال. فقد تتحول العملية إلى أداة لكشف جزء من الثروات مجهولة المصدر.
لكن هذه العملية لن تكون عصا سحرية لاسترداد الأموال المنهوبة.
من يملك ثروة غير مشروعة قد لا يحتفظ بها بالدينار أصلاً. قد تكون تحولت إلى عقارات. أو شركات. أو حسابات خارج العراق. أو ذهب. أو عملات أجنبية. وقد تكون سجلت بأسماء أشخاص آخرين.
لذلك فإن حذف الأصفار لا يسترد الأموال المسروقة وحده. لكنه يستطيع أن يفتح باباً مهماً أمام استردادها إذا جرى ربطه بنظام متكامل لتتبع الثروة ومصادر الأموال.
وهنا تدخل السياسة إلى قلب المسألة الاقتصادية.
أي عملية مالية بهذا الحجم ستصطدم بمصالح أصحاب الأموال الكبيرة. وبعض هذه الأموال قد تكون مرتبطة بشبكات سياسية واقتصادية تمتلك نفوذاً داخل الدولة. لذلك فإن نجاح الإصلاح لا يعتمد فقط على قدرة البنك المركزي على طباعة العملة الجديدة. وإنما على وجود إرادة سياسية تسمح للأجهزة الرقابية بأن تسأل السؤال الأصعب. من أين جاءت هذه الأموال.
استقلالية البنك المركزي تصبح في هذه المرحلة أكثر أهمية. فالبنك المركزي يحتاج إلى أن يدير السياسة النقدية وفق معايير اقتصادية. والحكومة تحتاج إلى أن تتحمل مسؤولية الإصلاح المالي والإنفاق العام. والأجهزة الرقابية تحتاج إلى مساحة كافية لتتبع الأموال دون أن تتحول العملية إلى انتقائية سياسية.
إذا غابت هذه الحماية. فقد تتحول عملية تغيير العملة إلى فرصة لإعادة تدوير الأموال بدلاً من كشفها.
وهنا تظهر أيضاً مسألة الدولرة.
كلما زاد اعتماد المواطنين والتجار على الدولار كوسيلة للادخار أو التحوط من المخاطر. أصبحت عملية تغيير الدينار أكثر حساسية. المواطن لا يقرر الاحتفاظ بالدولار لأنه يحب العملة الأمريكية. وإنما لأنه يبحث عن وسيلة لحماية قيمة مدخراته عندما تتراجع الثقة بالعملة المحلية.
لذلك فإن استعادة الثقة بالدينار لا تبدأ من تصميم ورقة نقدية جديدة. تبدأ من جعل المواطن يعتقد أن الدينار سيحافظ على قيمته.
وهذا يحتاج إلى مصرف مركزي قادر على إدارة السوق. ونظام مصرفي أكثر قوة. ودفع إلكتروني واسع. وقواعد واضحة للتحويلات. ومكافحة حقيقية للاقتصاد الموازي. وإصلاح للقطاع المصرفي الحكومي والخاص. وربط أفضل بين المصارف والضرائب والجمارك والدوائر الحكومية.
العراق يحتاج أيضاً إلى أن يعرف حجم الأموال التي تتحرك خارج النظام المصرفي بدقة أكبر. فهذه الأموال تمثل واحدة من أكبر الفجوات في الاقتصاد. الدولة تستطيع أن تعرف حجم ما يدخل عبر النظام الرسمي. لكنها تصبح أضعف عندما ينتقل النشاط الاقتصادي إلى النقد المباشر.
ولهذا فإن تغيير العملة قد يكون فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمصرف.
لكن الفرصة قد تضيع إذا لم يشعر المواطن أن المصرف أكثر أماناً من الاحتفاظ بالنقد في المنزل.
هناك أيضاً سؤال يتعلق بسعر الصرف.
إذا كان الهدف هو حذف الأصفار فقط. فيجب أن تكون العملية محايدة تجاه القوة الشرائية. وإذا كانت الحكومة تريد في الوقت نفسه رفع قيمة الدينار. فهذه قضية أخرى تماماً. رفع قيمة العملة لا ينتج من حذف الأصفار. وإنما من تحسن أساسيات الاقتصاد. وزيادة الثقة. وتحسن الإنتاجية. واستقرار المالية العامة. وتوازن سوق الصرف.
الخلط بين الأمرين قد يصنع وهماً اقتصادياً خطيراً.
المواطن قد يرى ورقة نقدية تحمل أرقاماً أصغر. فيعتقد أن الدينار أصبح أقوى. بينما تكون الأسعار والدخول والمدخرات قد تغيرت بالنسبة نفسها.
ولهذا فإن أي حديث عن تغيير العملة يحتاج إلى مصارحة المجتمع قبل إطلاقها. كم ستساوي العملة الجديدة. ماذا سيحدث للرواتب. كيف ستتحول العقود. ماذا سيحدث للمدخرات. كيف ستتعامل المصارف مع الأموال النقدية الكبيرة. وما الإجراءات التي ستتخذها الدولة تجاه الأموال مجهولة المصدر.
المسألة تصبح أكثر حساسية بالنسبة إلى الرواتب والديون والعقود الحكومية.
كل عقد طويل الأجل يحتاج إلى إعادة ضبط. وكل نظام محاسبي يحتاج إلى تحديث. وكل راتب أو معاش أو التزام مالي يحتاج إلى تحويل دقيق. والخطأ في هذه المرحلة قد لا يكون مجرد خطأ حسابي. فقد يتحول إلى خسارة حقيقية إذا استغلت الفجوة بين النظام القديم والجديد.
وهنا تظهر قدرة الدولة على التنفيذ.
العراق يستطيع نظرياً تنفيذ عملية حذف الأصفار. البنك المركزي يمتلك الأدوات النقدية الأساسية. والدولة تمتلك الجهاز الإداري الذي يسمح بتغيير العملة تدريجياً. لكن العملية تحتاج إلى تنسيق واسع بين البنك المركزي ووزارة المالية والمصارف والجهاز الضريبي والجمارك والأجهزة الرقابية.
الإصلاح النقدي لا ينجح إذا تعاملت معه مؤسسة واحدة وكأنه ملف يخصها وحدها.
هناك جانب آخر أكثر عمقاً.
لماذا الآن.
إذا كانت الدولة تمتلك رؤية واضحة لإصلاح الاقتصاد. فإن حذف الأصفار يمكن أن يكون جزءاً من إعادة بناء النظام المالي. وإذا كانت الخطوة منفصلة عن إصلاحات الإنتاج والاستثمار والقطاع المصرفي. فقد تصبح مجرد تغيير في وحدة الحساب.
العراق يحتاج إلى اقتصاد ينتج قبل أن يحتاج إلى عملة بأرقام أصغر.
يحتاج إلى قطاع خاص يستطيع توظيف العراقيين. وإلى نظام مصرفي يثق به المواطن. وإلى ضرائب فعالة. وإلى جمارك منضبطة. وإلى سوق مالية حقيقية. وإلى إنفاق حكومي لا يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط. وإلى سياسة نقدية تستطيع التعامل مع الصدمات الخارجية دون أن يتحول المواطن إلى أول من يدفع ثمنها.
وهنا يمكن تصور خارطة طريق أكثر واقعية.
تبدأ أولاً بتقييم شامل للكتلة النقدية والأموال الموجودة خارج النظام المصرفي. ثم إصلاح المصارف وتعزيز الدفع الإلكتروني. ثم تشديد قواعد معرفة مصدر الأموال والثروة. ثم توسيع قاعدة الضرائب والجمارك. ثم معالجة الاقتصاد غير الرسمي. وبعد بناء هذه الطبقات يمكن الانتقال إلى عملية استبدال العملة ضمن جدول زمني واضح.
عندها يصبح حذف الأصفار خطوة منطقية داخل مشروع أكبر.
قبل ذلك. ستبقى العملية معرضة لأن تصبح تغييراً في مظهر الاقتصاد أكثر من تغيير في جوهره.
وهناك مفارقة تستحق التأمل.
الدولة قد تنجح في حذف ثلاثة أصفار من الورقة النقدية خلال فترة محدودة. لكنها تحتاج إلى سنوات لحذف الأصفار التي تراكمت داخل الإدارة والفساد والاقتصاد الريعي وضعف القطاع الخاص.
الأولى عملية نقدية.
الثانية عملية دولة.
والاختبار الأكبر سيكون في الأموال التي ستظهر عندما تبدأ العملة القديمة بالاختفاء.
إذا خرجت الأموال المخفية إلى النظام المصرفي وخضعت للمساءلة. فقد تكون عملية الاستبدال فرصة نادرة لتنظيف جزء من الاقتصاد العراقي.
وإذا خرجت الأموال نفسها من البلاد قبل بدء العملية. أو جرى تحويلها إلى أصول لا تمر عبر النظام النقدي. أو جرى تدويرها عبر شبكات مالية معقدة. فقد تخسر الدولة فرصة استثنائية للكشف عنها.
لذلك فإن نجاح الإصلاح لن يقاس بعدد الأوراق النقدية الجديدة التي ستخرج من المطابع. وإنما بكمية الثقة التي ستدخل إلى النظام المالي. وبقدرة الدولة على معرفة حركة الأموال. وبمدى انخفاض الاقتصاد غير الرسمي. وبحجم الأموال التي ستخرج من الظل إلى النظام المصرفي.
وفي النهاية. يبقى السؤال الذي يجب أن يسبق أي قرار.
هل يريد العراق تغيير الدينار أم تغيير الاقتصاد؟
إذا كان الهدف هو الأول. فحذف الأصفار عملية تقنية يمكن تنفيذها.
وإذا كان الهدف هو الثاني. فالأصفار ستكون الجزء الأسهل من القصة!

