د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي ومصرفي
الموارد النفطية الهائلة والموقع الجيوسياسي المتفرد لا يشكلان بذاتهما ضمانة للرخاء، بل هما رأس مال خام يتحول إلى ثروة حقيقية فقط حين تمتلك الدولة قدرة على تحويله إلى إنتاجية مستدامة. وما يمر به العراق اليوم ليس أزمة سيولة أو عجزاً في الحلول، بل هو أزمة منهج في إدارة المال العام وتوجيه الاستثمار، إذ تظل القرارات المالية والاقتصادية أسيرة لمنطق ردود الفعل، فتُصرف المليارات على إطفاء حرائق الدعم العشوائي أو سد عجز طارئ، دون أن ترتبط هذه النفقات بمؤشر أداء واحد أو عائد استثماري قابل للقياس. وهكذا تتحول الموازنة العامة من أداة تنموية إلى مجرد آلة لتوزيع الإيرادات، تدير الأزمة الحالية ولا تعالج الخلل الهيكلي.
الإجراءات المالية التي نتخذها، من زيادة في الرواتب أو فرض رسوم وقتية، ليست أكثر من مسكنات تخفي أمراضاً أعمق في بنية الاقتصاد. فهي توقف النزيف المؤقت، لكنها تغذي جذور التضخم والتبعية الريعية، وتعمق الفجوة بين الإنفاق الجاري والاستثماري؛ لأن الحوكمة الاقتصادية الحقيقية لا تبدأ بكمّ الأموال التي نملكها، بل بكيفية قياس أثرها ومحاسبة متلقيها. وما لم نمتلك قاعدة بيانات دقيقة عن مواردنا البشرية والمادية، ووحدات قياس صارمة لكفاءة الأداء في كل مؤسسة، سنبقى ندفع ثمناً باهظاً مقابل كل دينار يُصرف، دون أن نبني رأسمالاً منتجاً أو نخلق قيمة مضافة.
الإصلاح الاقتصادي الجاد لا يكمن في التقشف أو التوسع، بل في الانتقال من فلسفة إدارة النفقات الطارئة إلى فلسفة بناء اقتصاد معرفي، حيث يرتبط التعليم بسوق العمل، وتُربط التكنولوجيا بخطوط الإنتاج، وتُربط العدالة الاجتماعية باستقرار السياسة النقدية. فكل هذه العناصر منظومة واحدة؛ إن اختل جزء منها انعكس الخلل على بقية الدولة. وهذا هو جوهر تحويل الحلول إلى دولة: أن ننتقل من التفكير في كيفية معالجة أزمة اليوم إلى التفكير في كيفية بناء نموذج اقتصادي لا ينتج هذه الأزمات أصلاً.
إن معركتنا الحقيقية ليست مع عجز الموازنة القادم ولا مع انخفاض أسعار النفط، بل مع طريقة التفكير التي تجعل أزماتنا قدراً دائماً، واستهلاكنا ترياقاً زائفاً. والعراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستمر في لعبة إدارة الانهيارات بإجراءات انتقائية تبقي على هيكل الفساد والهدر، وإما أن ينطلق بجرأة نحو قيادة الدولة عبر مشروع وطني تتسلسل فيه الأولويات وتتكامل فيه السياسات، ويجعل من قياس الأداء والشفافية واستشراف المستقبل ثقافة وطنية لا مجرد شعارات.
فالخيار الاقتصادي الأذكى اليوم هو الاستثمار في بناء القدرات المؤسسية والتحول الرقمي والتنويع الإنتاجي؛ لأن الدولة القوية اقتصادياً لا تنتظر الأزمة حتى تتحرك، بل تسبقها بقراءة المؤشرات، وتستخدم ذكاء البيانات في رسم ملامح غد أكثر استقراراً وازدهاراً.

