علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
يبدو النقاش حول نزع سلاح الفصائل العراقية للوهلة الأولى نقاشاً يتعلق بالدولة والقانون واحتكار القوة.
وهذا جزء من الصورة.
لكن الصورة الأوسع أكثر تعقيداً.
فالسلاح الذي يجري الحديث عنه لا ينظر إليه جميع العراقيين باعتباره سلاح جماعات سياسية أو عسكرية فقط. بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع الشيعي العراقي يمثل هذا السلاح طبقة من طبقات الردع التي تشكلت عبر سنوات طويلة من الخوف والحرب والاستهداف.
وهنا تبدأ المشكلة.
عندما يقال إن المطلوب هو نزع السلاح. فإن السؤال الذي يسبق ذلك هو سؤال الأمن.
من الذي سيضمن أمن المجتمع الذي يرى في هذا السلاح إحدى أدوات حمايته.
ومن الذي سيملأ الفراغ الذي سيتركه.
وهل توجد اليوم منظومة أمنية بديلة تمتلك القوة والقدرة والإرادة والاستقلال الاستراتيجي الكافي لتقديم هذه الحماية.
هذه الأسئلة لا تعني أن السلاح يجب أن يبقى خارج الدولة إلى الأبد.
إنها تعني أن الانتقال من منظومة ردع إلى منظومة أمن وطني لا يمكن أن يبدأ من لحظة تسليم السلاح. يجب أن يبدأ من لحظة بناء البديل.
العراق لديه ذاكرة أمنية تجعل هذا النقاش أكثر حساسية من مجرد خلاف دستوري.
بعد عام 2003 عاش العراقيون سنوات طويلة من التفجيرات والقتل والاغتيالات والاستهداف الطائفي. وكانت المدن والمراقد والأسواق والمساجد والحسينيات أهدافاً لهجمات متكررة.
ثم جاءت مرحلة تنظيم داعش.
في عام 2014 انهارت قطاعات من المنظومة الأمنية العراقية بسرعة صادمة. وسقطت مدن ومساحات واسعة من البلاد. ووصل التهديد إلى تخوم بغداد. وأصبحت حماية المراقد والمدن والمجتمعات قضية وجودية بالنسبة إلى ملايين العراقيين.
في تلك البيئة تشكلت منظومة الحشد الشعبي إلى جانب القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية الأخرى.
هذه الخلفية مهمة لفهم لماذا ينظر جزء كبير من المجتمع الشيعي إلى السلاح بطريقة مختلفة عن النظرة التي قد تقدمها بعض الخطابات السياسية.
السلاح هنا ليس مجرد بندقية في يد فصيل.
إنه بالنسبة إلى جزء من هذا المجتمع ذاكرة متراكمة عن مرحلة لم تكن فيها الدولة قادرة دائماً على توفير الحماية.
وهذا لا يعني أن كل سلاح خارج المؤسسة العسكرية يمثل بالضرورة ضمانة صحيحة أو دائمة.
لكنه يعني أن نزع السلاح من دون معالجة الأسباب التي صنعت الحاجة إليه قد يزيل النتيجة ويترك السبب قائماً.
وهنا تدخل الجغرافيا الإقليمية بصورة أكثر قسوة.
العراق لا يعيش في بيئة أمنية محايدة. إنه محاط بمناطق شهدت خلال العقود الماضية صعود تيارات سلفية متشددة حمل بعضها خطاباً طائفياً واضحاً تجاه الشيعة. وبعض هذه التيارات تحول إلى تنظيمات مسلحة مارست القتل على أساس الهوية والمذهب.
في الخليج نشأت خلال عقود بيئات دينية سلفية تكفيرية شديدة المحافظة. وارتبطت بعض التيارات فيها بالفكر الوهابي أو السلفي. كما نشأت تيارات إخوانية وسلفية راديكالية امتلكت في مراحل مختلفة شبكات دعوية ومالية وفكرية تجاوزت الحدود. وانتقل تأثير بعض هذه الأفكار إلى العراق وسوريا ومناطق أخرى من العالم الإسلامي.
ولا يعني ذلك وضع المجتمعات الخليجية كلها في خانة واحدة. فالدول والمجتمعات أكثر تعقيداً من تيار ديني واحد.
لكن تجاهل وجود هذه البيئة الفكرية وشبكاتها التاريخية سيكون تبسيطاً للمشهد العراقي.
العراق عاش نتائج هذا الفكر على أرضه.
من خطاب التحريض الطائفي إلى الجماعات التي حملت السلاح ضد الشيعة. ومن التفجيرات التي استهدفت الأسواق والمراقد والحسينيات إلى تنظيم داعش الذي قدم النموذج الأكثر تطرفاً لهذا المسار.
ولهذا فإن الذاكرة العراقية لا تنظر إلى السلفية الجهادية باعتبارها خلافاً فكرياً مجرداً.
إنها ذاكرة دم.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما ننتقل إلى سوريا.
فالسؤال العراقي لا يتعلق فقط بمن يحكم دمشق اليوم. وإنما بالخلفية التي خرجت منها القوى المسلحة التي أصبحت صاحبة نفوذ سياسي وعسكري هناك.
جزء مؤثر من هذه القوى تشكل داخل بيئة سلفية جهادية. وبعض التنظيمات التي نشأت في هذه البيئة ارتبط تاريخياً بتنظيمات مصنفة إرهابية دولياً. ولذلك فإن انتقال بعض هذه الجماعات من العمل المسلح إلى العمل السياسي لا يلغي تلقائياً تاريخها الفكري والتنظيمي.
وهنا يجب أن يكون الوصف دقيقاً.
المشكلة ليست في الإسلام.
وليست في التدين.
المشكلة في التيارات السلفية الارهابية التي قامت رؤيتها السياسية والعسكرية على مفاهيم إقصائية وطائفية واستخدمت العنف وسيلة للوصول إلى السلطة.
وهذا التفريق ضروري.
لأن العراق لا يستطيع أن يتعامل مع حدود يبلغ طولها مئات الكيلومترات على أساس النوايا المعلنة فقط. إنه يحتاج إلى النظر في طبيعة القوى الموجودة على الجانب الآخر من الحدود. وفي تاريخها. وفي علاقاتها. وفي قدرتها على ضبط الجماعات المسلحة. وفي موقفها من المكونات العراقية.
إذا كانت سوريا الجديدة ستصبح دولة مستقرة تحترم جميع مكوناتها وتمنع استخدام أراضيها ضد العراق. فإن ذلك سيكون مصلحة عراقية مباشرة.
لكن إذا تحولت سوريا إلى بيئة حاضنة لجماعات سلفية جهادية أو إلى مساحة لإعادة إنتاج التنظيمات المتطرفة. فإن العراق سيكون أمام تهديد أمني جديد.
ولا يتوقف المشهد عند سوريا.
تركيا تمتلك حساباتها الخاصة في العراق وسوريا والأمن الإقليمي. وهي دولة ذات ثقل عسكري واقتصادي كبير وتتعامل مع المنطقة من خلال تصور واسع لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وبعدها العقائدي الاخواني
والأردن يمثل بدوره جزءاً من البيئة الإقليمية التي تحيط بالعراق. كما أن الذاكرة السياسية العراقية لا تخلو من حساسيات تاريخية تجاه بعض التيارات والخطابات التي حملت مواقف عدائية تجاه الشيعة.
وفوق ذلك كله تقف إسرائيل باعتبارها القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة. وتحظى بدعم أمريكي واسع سياسياً وعسكرياً.
هذه البيئة لا تسمح للعراق بالتعامل مع مسألة الردع وكأنها ملف داخلي منفصل عن الإقليم.
وهنا تظهر نقطة أساسية.
السلاح الذي يجري الحديث عنه لا يمثل في الوعي الشيعي العراقي جهة سياسية واحدة فقط. بالنسبة إلى قطاعات واسعة من هذا المجتمع هو جزء من معادلة أمنية أوسع.
هو ليس ضمانة لحزب.
ولا ضمانة لقائد.
ولا ضمانة لفصيل بعينه.
إنه في نظر كثيرين طبقة من طبقات الردع التي يفترض أنها تحمي مكوناً اجتماعياً كبيراً يرى نفسه محاطاً ببيئة إقليمية لم تستقر بعد.
وهذه الفكرة لا تعني أن المخاوف كلها صحيحة أو أن السلاح هو الحل الوحيد.
لكنها تعني أن أي مشروع لنزع السلاح يحتاج إلى التعامل مع مصدر هذه المخاوف قبل التعامل مع السلاح نفسه.
التأمين لا يعني أن الخطر سيقع حتماً.
هو يعني أن صاحب التأمين لا يثق بأن الخطر مستحيل.
وهذا الفارق مهم جداً.
عندما تطلب من مجتمع ما التخلي عن وسيلة ردع يرى أنها تحميه. فإنك تطلب منه في الوقت نفسه أن يثق بمنظومة أخرى.
وهذه الثقة لا تصنعها البيانات السياسية.
تصنعها القدرة.
لكن هناك مشكلة أخرى في هذا النقاش تتعلق بالمصطلحات نفسها.
حين يقال إن إنهاء السلاح هو الطريق إلى استعادة سيادة العراق. يبرز سؤال لا يقل أهمية عن السؤال الأمني نفسه. هل اختُزلت السيادة العراقية في هذه المسألة وحدها.
ماذا عن المياه الإقليمية التي ما زالت موضع انتهاكات ونزاع وضغط. وماذا عن قدرة العراق على بناء قوة بحرية حقيقية تحمي مصالحه ومياهه.
وماذا عن سمائه التي شهدت عمليات استهداف لأراض عراقية من داخل المجال الجوي العراقي أو عبره. ومن يملك قرار استخدام سماء العراق. ومن يملك القدرة على منع انتهاكها.
وماذا عن الأراضي العراقية التي توجد فيها قواعد ومواقع عسكرية تركية وأمريكية. وماذا عن أي نشاط أو وجود إسرائيلي داخل العراق بوصفه ملفاً أمنياً يحتاج إلى أدلة موثقة عند تناول كل واقعة محددة.
ثم ماذا عن السيادة المالية عندما تصبح قدرة العراق على الوصول إلى أمواله أو التصرف بها مرتبطة بقرارات أمريكية أو بقيود تفرضها واشنطن. وماذا عن السيادة السياسية عندما يصبح القرار العراقي مطالباً بأن ينسجم مع ما تريده الولايات المتحدة أكثر مما يعبر عن الحسابات العراقية نفسها.
إذا كانت السيادة تعني امتلاك الدولة قرارها وقدرتها على حماية حدودها ومياهها وأجوائها ومواردها وأموالها. فإن اختزالها في سلاح جهة عراقية واحدة يبدو أقرب إلى إعادة تعريف السيادة بما يخدم النقاش السياسي القائم أكثر مما يعكس معناها الاستراتيجي الكامل.
السيادة مشروع كامل.
سيادة على الأرض. وسيادة على المياه. وسيادة على الأجواء. وسيادة على المال. وسيادة على القرار السياسي. وسيادة على الحدود. وسيادة على القرار الأمني.
وعندما تصبح الدولة قادرة على حماية هذه المستويات جميعاً. يصبح احتكار السلاح نتيجة طبيعية لاختبار ناجح للدولة. قبل ذلك قد يتحول اختزال السيادة في نزع سلاح طرف عراقي إلى معالجة لواحد من أعراض المشكلة مع ترك بقية مصادر فقدان السيادة خارج النقاش.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.
إذا كان السلاح يمثل في نظر جزء واسع من المجتمع الشيعي طبقة من طبقات الردع التي نشأت نتيجة تجارب أمنية قاسية. وإذا كانت البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق ما زالت مليئة بمصادر التهديد. وإذا كانت الدولة نفسها لم تستكمل بعد بناء منظومة الردع المستقلة. فهل يصبح نزع هذا السلاح استعادة للسيادة فعلاً. أم يصبح نقل جزء من القدرة على الردع من الداخل إلى الخارج.
وهنا يمكن أن نطرح السؤال الذي يصعب تجاوزه.
إذا كانت واشنطن وتل أبيب تدفعان بقوة باتجاه إنهاء هذا السلاح. فما الذي يجعل هذا المطلب مرتبطاً حصراً بالسيادة العراقية.
قد تكون هناك أسباب عراقية حقيقية تتعلق ببناء الدولة واحتكار القوة.
وقد تكون هناك أيضاً أسباب استراتيجية تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة داخل العراق والمنطقة.
فالسياسة الدولية لا تتحرك بالشعارات وحدها.
عندما يصبح سلاح معين عقبة أمام مشروع إقليمي أو عسكري أو أمني. فإن الرغبة في إزالته تصبح مفهومة من زاوية مصالح الأطراف التي ترى فيه تهديداً لمشاريعها.
وهنا يجب أن يبقى السؤال مفتوحاً أمام القارئ.
هل المطلوب نزع السلاح لأن الدولة العراقية تحتاج فعلاً إلى استكمال سيادتها.
أم أن استعادة السيادة أصبحت عنواناً مناسباً لمشروع أكبر هدفه إعادة ترتيب موازين القوة داخل العراق.
الفرق بين السؤالين ليس صغيراً.
لأن العراق إذا كان يريد فعلاً بناء دولة ذات سيادة. فإن المعركة يجب أن تشمل كل مصادر انتقاص السيادة. لا مصدراً واحداً فقط.
وهنا يأتي درس التاريخ.
في قصة أنصار المختار الثقفي توجد رواية تاريخية شديدة الدلالة على فكرة الأمان السياسي. بعد مقتل المختار وتحول ميزان القوة في الكوفة خرج عدد من أنصاره من القصر بعد الأمان الذي أعطي لهم. وتذكر روايات تاريخية أن مصعب بن الزبير أمر بقتل أعداد كبيرة منهم بعد خروجهم. وتذكر بعض الروايات رقماً يقارب سبعة آلاف.
المهم في هذه القصة ليس الرقم وحده.
ولا ينبغي تقديم الرواية التاريخية باعتبارها نسخة مطابقة للحاضر.
المهم هو السؤال الذي تطرحه.
ماذا يحدث عندما يتخلى طرف يمتلك القدرة على القتال عن هذه القدرة اعتماداً على أمان يقدمه طرف آخر.
الضمان السياسي يبقى مرتبطاً بميزان القوة الذي يحميه.
وهذه الفكرة تظهر بصورة أكثر حداثة في سربرنيتسا.
أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتسا منطقة آمنة عام 1993. وجرت ترتيبات لجمع وتخزين جزء من الأسلحة تحت إشراف الأمم المتحدة. وكانت هناك قوة دولية يفترض أن توفر الحماية.
بعد نحو عامين سقطت المنطقة في يوليو 1995.
ثم فصل الرجال والفتيان عن النساء والأطفال. وقُتل أكثر من ثمانية آلاف بوسني مسلم.
لم تكن المشكلة في غياب القرار الدولي.
كانت المشكلة في الفجوة بين القرار والقدرة على فرضه عندما بدأت القوة المسلحة تختبر حدود تلك الحماية.
وهذا هو الدرس الذي يهم العراق.
الضمانة لا تقاس بمن وقعها.
تقاس بمن يستطيع تنفيذها عندما تصبح مصالحه الاستراتيجية متعارضة مع حمايتها.
الأمم المتحدة كانت موجودة في سربرنيتسا.
والقانون الدولي كان موجوداً.
والقرارات الدولية كانت موجودة.
لكن عندما جاءت لحظة الاختبار لم تتحول كل تلك العناصر إلى قوة قادرة على منع المجزرة.
صبرا وشاتيلا تقدم درساً آخر.
بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من بيروت عام 1982 وفق ترتيبات وضمانات دولية. بقي المدنيون في المخيمات. ثم وقعت المجزرة في سبتمبر من العام نفسه.
مرة أخرى تظهر الفجوة بين الاتفاق وبين القدرة على حماية من بقي بعد خروج القوة المسلحة.
أما رواندا فتقدم نموذجاً مختلفاً.
كانت هناك بعثة أممية. وكانت هناك ترتيبات سياسية. لكن قوة الأمم المتحدة لم تكن تمتلك القدرة والصلاحيات التي تمكنها من إيقاف الإبادة الجماعية التي بدأت عام 1994.
ثلاث تجارب مختلفة.
ثلاثة سياقات مختلفة.
لكنها تطرح سؤالاً واحداً.
هل وجود الضمانة يكفي عندما تبدأ موازين القوة بالتحرك.
التاريخ لا يقدم جواباً مريحاً.
ولهذا فإن الحديث عن ضمانات دولية للعراق يحتاج إلى أكثر من بيانات وتفاهمات.
السياسة الدولية لا تعمل في فراغ أخلاقي.
المصالح تتغير.
الحكومات تتغير.
التحالفات تتغير.
الأعداء قد يصبحون شركاء.
والشركاء قد يتحولون إلى خصوم.
حتى المؤسسات الدولية نفسها تعمل ضمن حدود القوة والإرادة السياسية للدول التي تقف خلفها.
القانون موجود.
لكن تطبيق القانون يحتاج إلى قوة.
والضمانة موجودة.
لكن تنفيذ الضمانة يحتاج إلى إرادة.
وهنا تظهر المشكلة العراقية بصورة أكثر وضوحاً.
قد يقال إن الدولة العراقية هي الضامن.
وهذا من حيث المبدأ هو الحل الطبيعي.
الدولة يجب أن تحتكر القوة.
لكن الانتقال إلى هذا الاحتكار يحتاج إلى سؤال آخر.
هل تمتلك المؤسسة العسكرية العراقية اليوم كل القدرات التي تجعلها قادرة على أداء وظيفة الردع الاستراتيجي المستقل.
الجيش العراقي يمتلك خبرة قتالية كبيرة.
وخاض معارك قاسية ضد الإرهاب.
وحقق تطوراً واضحاً في قدراته.
لكن بناء جيش قادر على مواجهة بيئة إقليمية معقدة يحتاج إلى أكثر من القوات البرية.
يحتاج إلى دفاع جوي متطور.
ويحتاج إلى قوة جوية متقدمة.
ويحتاج إلى استخبارات استراتيجية.
ويحتاج إلى إنذار مبكر.
ويحتاج إلى حرب إلكترونية.
ويحتاج إلى قيادة وسيطرة مستقلة.
ويحتاج إلى صناعة عسكرية محلية.
ويحتاج إلى قدرة لوجستية تستطيع الاستمرار في الحرب تحت الضغط.
ويحتاج قبل كل ذلك إلى استقلال استراتيجي في القرار.
العراق ما زال يعتمد في مجالات مهمة على التعاون والتدريب والتسليح والدعم الفني والاستخباري الخارجي.
وهذا لا ينتقص من الجيش العراقي.
لكنه يعني أن الدولة تحتاج إلى وقت حتى تتحول المؤسسة العسكرية إلى منظومة ردع مكتملة تستطيع وحدها التعامل مع أخطر السيناريوهات.
وهنا تصبح عملية نزع السلاح أكثر تعقيداً.
إذا كان بناء البديل يحتاج إلى سنوات.
فهل يكون منطقياً إزالة الردع الموجود قبل اكتمال الردع البديل.
هذه ليست دعوة إلى إبقاء السلاح خارج الدولة إلى الأبد.
إنها دعوة إلى ترتيب الخطوات.
ابنِ الدولة القادرة على حماية مواطنيها.
طوّر الجيش.
ابنِ الدفاع الجوي.
طوّر الاستخبارات.
أكمل منظومة القيادة والسيطرة.
طوّر الصناعة العسكرية.
حقق استقلال القرار العسكري.
بعد ذلك يصبح النقاش حول احتكار الدولة للسلاح مختلفاً تماماً.
لأن الدولة في هذه الحالة لا تطلب من المجتمع أن يثق بوعد مستقبلي.
إنها تقدم له قدرة قائمة على الأرض.
وهنا تظهر نقطة أخرى لا تقل أهمية.
لماذا تصر بعض القوى الدولية على إنهاء سلاح المقاومة العراقية.
يمكن تقديم الإجابة الرسمية باعتبارها مرتبطة بسيادة الدولة واحتكارها للقوة.
وهذا مبدأ معروف في بناء الدول الحديثة.
لكن السياسة لا تتحرك بالمبادئ وحدها.
هناك مصالح استراتيجية أيضاً.
وجود قوى عراقية مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وخبرة قتالية وشبكات سياسية يمثل بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة عقبة أمام إعادة ترتيب البيئة الأمنية في المنطقة وفق تصورهما.
هذه ليست حقيقة تحتاج إلى مؤامرة لإثباتها.
إنها نتيجة طبيعية لاختلاف المصالح.
إسرائيل تريد تقليص مصادر التهديد القريبة والبعيدة.
والولايات المتحدة تريد بيئة إقليمية أكثر قدرة على ضبط القوى التي تعارض نفوذها وحلفاءها.
وفي هذا السياق يصبح السلاح العراقي جزءاً من معادلة إقليمية أكبر من حدود العراق.
إذا كان هذا السلاح لا يؤثر في ميزان القوة. فلماذا يصبح تفكيكه أولوية بهذا الحجم.
السؤال يستحق التفكير.
لكن الإجابة لا ينبغي أن تكون أيديولوجية.
السلاح يعرقل بعض المشاريع الإقليمية عندما يمنح العراق أو القوى المرتبطة به قدرة على رفض بعض ترتيبات القوة التي تريدها أطراف أخرى.
وهنا يصبح نزع السلاح جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوى.
وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط النقاش القانوني.
العراق لا يعيش في جزيرة.
أي تغيير في معادلة القوة الداخلية سينعكس على البيئة الإقليمية.
وأي فراغ ينشأ داخل العراق ستقرأه القوى المحيطة به باعتباره فرصة أو تهديداً.
لهذا فإن القضية لا تختصر في سؤال من يحمل السلاح.
القضية تتعلق بمن يمتلك القدرة على الردع.
ومن يمتلك القرار.
ومن يستطيع حماية الحدود.
ومن يستطيع منع التدخل الخارجي.
ومن يستطيع منع تكرار الانهيار الذي شهده العراق عام 2014.
والأهم من ذلك كله.
من يستطيع أن يقول للمجتمع الذي يطلب منه التخلي عن سلاحه إن البديل سيكون أقوى من السلاح الذي تخلى عنه.
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي نقاش جدي.
فالشيعة في العراق ليسوا فصيلاً مسلحاً.
هم مكون اجتماعي كبير من مكونات الدولة.
ومن الخطأ اختزال هواجسهم الأمنية في مواقف فصيل أو حزب أو قائد.
وفي الوقت نفسه لا ينبغي تحويل مخاوف أي مكون إلى تفويض دائم بامتلاك السلاح خارج مؤسسات الدولة.
الدولة هي الحل الطبيعي.
لكن الدولة لا تصبح ضامناً بمجرد أن تقول إنها الضامن.
تحتاج إلى القوة.
وتحتاج إلى الاستقلال.
وتحتاج إلى مؤسسات تستطيع الصمود عندما تتغير الحكومات والضغوط والتحالفات.
وهنا يمكن للعراق أن يتعلم من التاريخ من دون أن يكرر التاريخ.
المطلوب ليس اختيار السلاح على حساب الدولة.
ولا اختيار الدولة على حساب الأمن.
المطلوب بناء دولة تجعل الحاجة إلى السلاح خارجها أقل بمرور الوقت.
وهذا يتطلب انتقالاً منظماً.
نزعاً تدريجياً.
دمجاً مؤسسياً حقيقياً.
ضمانات داخلية.
قدرات عسكرية مستقلة.
وآلية واضحة للتعامل مع أي تهديد خارجي.
عندها فقط يصبح احتكار الدولة للسلاح نتيجة طبيعية لبناء القوة.
أما أن يبدأ المشروع بتسليم السلاح ثم تبدأ الدولة بعد ذلك بالبحث عن مصادر الحماية. فهذه مخاطرة استراتيجية لا يحتاج العراق إلى اختبارها حتى يعرف نتائجها.
ربما يكون الدرس الأهم من سربرنيتسا وصبرا وشاتيلا وقصة أنصار المختار أبسط مما يبدو.
لا تطلب من طرف أن يتخلى عن قدرته على حماية نفسه لأنك وعدته بأنك ستحميه.
أثبت أولاً أنك تستطيع حمايته.
ثم اطلب منه أن يثق بك.
وهذه القاعدة لا تخص طائفة واحدة.
إنها قاعدة في السياسة والأمن.
لكنها تصبح أكثر إلحاحاً في العراق لأن الذاكرة الأمنية للمجتمع الشيعي ما زالت حاضرة. ولأن البيئة الإقليمية لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بإلغاء المخاوف بمجرد إعلان سياسي.
وربما هنا تحديداً يجب أن يتغير السؤال العراقي.
ليس هل نريد دولة تحتكر السلاح.
فمن الصعب أن يختلف عراقي على أن الدولة القوية هي النهاية الطبيعية لأي نظام سياسي مستقر.
السؤال هو كيف نصل إلى هذه الدولة من دون أن يمر العراق بمرحلة انتقالية يفقد فيها أحد مكونات مجتمعه شعوره بالردع قبل أن تتشكل منظومة قادرة على حمايته.
إذا كان الهدف بناء دولة قوية. فلتكن البداية من بناء القوة.
إذا كان الهدف إنهاء السلاح الموازي. فلتكن الخطوة الأولى إنهاء الحاجة إليه.
إذا كان الهدف طمأنة المجتمع. فلتكن الضمانة موجودة على الأرض لا في البيانات.
وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان عراقاً أكثر استقراراً. فإن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه إضعاف طرف يخشى على أمنه ثم مطالبته بالثقة بمنظومة لم تختبر بعد.
العراق يحتاج إلى دولة لا يخاف فيها أي مكون من المستقبل.
ويحتاج إلى جيش لا يحتاج معه أي مكون إلى قوة موازية.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يكون بتسليم السلاح أولاً.
يكون ببناء الدولة التي تجعل تسليمه آمناً.
عندها فقط يمكن أن يصبح احتكار الدولة للقوة نهاية لمسار طويل من بناء الأمن.
أما قبل ذلك. فإن السؤال سيبقى مفتوحاً أمام العراقيين.
إذا سلمت القوة التي تحميك.
فمن الذي سيحميك عندما تتغير المصالح؟
الآراء الواردة في المقال تلزم صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي شبكة إنماز نبوز

