د.نبيل رحيم العبادي | خبير مصرفي ومالي
يمثل مصرف (نيشتمان) (المصرف الوطني) في إقليم كوردستان العراق خطوة تأسيسية مهمة في مسار تطوير القطاع المالي الحكومي، كونه أول بنك حكومي يتبع وزارة المالية والاقتصاد في الإقليم، برأس مال يبلغ نحو 250 مليار دينار عراقي. وقد حصل المصرف على إجازة التنسيق والترخيص الرسمي من البنك المركزي العراقي، واتخذ من العاصمة أربيل مقرا رئيسيا له في مبنى بنك زانكو سابقا، فيما يمر حاليا بمراحل الإنجاز واستكمال الكوادر الإدارية والوظيفية تمهيدا لبدء العمليات رسميا.
ويعتزم المصرف وفق خططه المعلنة افتتاح ثمانية فروع رئيسية، أربعة منها في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة، وأربعة أخرى في الإدارات المستقلة بالإقليم، مع أهداف واضحة تشمل رقمنة القطاع المصرفي وتعزيز الشفافية والإصلاح المالي، وتقديم الخدمات المصرفية وفتح باب السلف والقروض للمواطنين وموظفي القطاع العام، وربط القطاع المصرفي في الإقليم بالشبكة المصرفية العالمية ومنظومة البنك المركزي العراقي.
وكمصرفيا متابعا لملف تأسيس هذا المصرف منذ بداياته، أرى أن (نيشتمان) يمتلك فرصة حقيقية ليكون نموذجا مختلفا عن المصارف الحكومية التقليدية، شريطة أن يحسن استغلال رأس المال التأسيسي الكبير والدعم الحكومي من دون أن يتحول إلى جهة بيروقراطية بطيئة الحركة. التحدي الأكبر أمام المصرف في تقديري ليس في الحصول على الترخيص أو افتتاح الفروع، بل في بناء مؤسسة مالية قادرة على المنافسة في سوق أصبحت فيه التكنولوجيا والثقة هما الأساس.
أول ما أنصح به هو الدخول في شراكة استراتيجية مع مستثمر مؤسسي مؤهل يمتلك خبرة مصرفية حقيقية وليس مجرد شريك مالي. هذه الشراكة ليست فقط لتلبية متطلبات البنك المركزي العراقي الخاصة بالحوكمة والملاءة المالية، بل لأنها ستمنح المصرف القدرة على تطبيق المعايير الدولية في إدارة المخاطر والامتثال والتدقيق منذ اليوم الأول. وجود شريك مؤسسي جاد سيفرض انضباطا مؤسسيا على المصرف ويمنع تحوله إلى جهة توظيف حكومية تقليدية.
الأمر الثاني الذي أركز عليه هو اختيار الكوادر المصرفية بعناية شديدة. لا يمكن بناء مصرف حديث بعقليات إدارية تقليدية، ولذلك أدعو إلى استقطاب كوادر مصرفية شابة ومتخصصة من العاملين في القطاع الخاص العراقي أو من الكفاءات الكوردية في الخارج ممن لديهم خبرة في المصارف الرقمية وإدارة العمليات المصرفية الحديثة. هذه الكوادر يجب أن تمنح صلاحيات حقيقية وحوافز مرتبطة بالأداء وليس مجرد مسميات وظيفية، فالمصرف بحاجة إلى فريق يفهم أن العمل المصرفي اليوم لم يعد مجرد استقبال ودائع ومنح قروض بل هو إدارة للبيانات والمخاطر والتكنولوجيا.
وفي ما يتعلق بالمنتجات والخدمات، أرى أن المصرف يجب أن يتجه منذ البداية نحو التمويل الإنتاجي بدلا من الاستهلاك. التركيز على تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وسلاسل التوريد الزراعية والصناعية سيمنح المصرف دورة رأسمال صحية ويحقق أثرا اقتصاديا ملموسا في الإقليم. كما أن تفعيل أدوات التمويل التجاري والاعتمادات المستندية سيربط المصرف بالشبكة المصرفية العالمية بشكل فعلي وليس شكليا. أما برامج الإسكان لموظفي القطاع العام فيمكن أن تكون منتجا ناجحا إذا صممت بالشراكة مع مطورين عقاريين وليس كقروض نقدية مباشرة.
أما البنية الرقمية فأعتبرها الأولوية القصوى منذ اللحظة الأولى. اعتماد نظام مصرفي أساسي حديث وتطبيق مصرفي متكامل وبنية دفع إلكترونية قوية سيمكن المصرف من خدمة العملاء في الإدارات المستقلة والمناطق البعيدة من دون الحاجة إلى بناء فروع تقليدية مكلفة في كل مكان، فالشمول المالي الحقيقي يتحقق عبر الهاتف المحمول وليس عبر الطوب والإسمنت.
باختصار، المصرف يملك كل المقومات الأساسية للنجاح، لكنه يحتاج إلى إدارة محترفة وشريك مؤسسي جاد وبنية تكنولوجية متطورة.
وإذا تحقق ذلك سيكون (نيشتمان) قادرا على أن يكون ذراعا ماليا حقيقيا للإصلاح الاقتصادي ونموذجا يحتذى به في العراق كله.
الآراء الواردة في المقال تلزم صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي شبكة إنماز نيوز

