أمين صباح زغير | كاتب رياضي عراقي
لم يصل معظم نجوم كرة القدم إلى القمة بسهولة، فطريق النجومية مليء بالمحطات الصعبة، ومن بينها الجلوس على مقاعد البدلاء وانتظار الفرصة المناسبة لإثبات الذات ،
هناك لاعبون فرضوا أنفسهم بسرعة، وآخرون احتاجوا إلى وقت طويل حتى يكسبوا ثقة المدرب والجمهور. لكن الفارق الحقيقي أن النجم لا يتعامل مع الدكة باعتبارها نهاية المشوار، بل يجعل منها مرحلة للعمل والتطور وانتظار الفرصة.
لننظر إلى تجارب النجوم العالميين. أندريس إنييستا جلس على دكة برشلونة قبل أن يصبح أحد أعظم لاعبي الوسط في التاريخ. روبرت ليفاندوفسكي لم يدخل التشكيل الأساسي بسهولة في بوروسيا دورتموند. كيلور نافاس احتاج إلى وقت طويل حتى يثبت نفسه، ويان أوبلاك مرّ بفترات صعبة قبل أن يصبح من أفضل حراس العالم.
والأمر لا يختلف كثيرًا مع النجوم العرب.
محمد الشناوي عانى من قلة الفرص في بداياته قبل أن يصبح الحارس الأول للأهلي ومنتخب مصر. ياسين بونو بدأ بعيدًا عن التشكيل الأساسي قبل أن يشق طريقه ويصبح أحد أبرز حراس المرمى. أما محمد صلاح، فعاش تجربة صعبة مع تشيلسي ولم يحصل على مكان أساسي ثابت، لكنه لم يعتبرها نهاية الطريق، بل واصل العمل وانتقل إلى فيورنتينا ثم روما، قبل أن يصبح أحد أبرز نجوم العالم مع ليفربول.
وهناك أيضًا رياض محرز، الذي لم يبدأ مسيرته كنجم كبير، بل صعد خطوة بعد أخرى حتى وصل إلى ليستر سيتي، ثم مانشستر سيتي، وأصبح أحد أبرز نجوم الكرة العالمية.
هذه التجارب تقول لنا شيئًا مهمًا: الاحتراف ليس عقدًا فقط، وليس راتبًا أو اسم نادٍ كبير، وإنما عقلية وقدرة على الصبر والمنافسة.
وهنا يجب أن نتوقف عند اللاعب العراقي.
لدينا مواهب كثيرة، ولدينا لاعبون يمتلكون إمكانيات تؤهلهم للعب خارج العراق، لكن المشكلة أحيانًا تبدأ عندما يجد اللاعب نفسه على دكة البدلاء.
مباراة أو مباراتان دون مشاركة قد تكون كافية عند البعض لبدء التفكير بالرحيل، وكأن اللاعب انتقل إلى النادي من أجل أن يكون أساسيًا منذ اليوم الأول، وليس من أجل المنافسة على مركزه.
وهنا يأتي الحديث عن علي جاسم وحسن عبد الكريم «قوقية» وتجربتيهما الاحترافيتين.
لا يعني ذلك أن عودتهما إلى الدوري العراقي فشل، ولا أن أسباب عدم الاستمرار كانت مرتبطة بهما وحدهما، فهناك ظروف وأسباب فنية وإدارية تختلف من تجربة إلى أخرى.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح:
هل نحن أمام مشكلة في اللاعب العراقي، أم في مفهومه للاحتراف؟
هل يريد اللاعب أن يخوض تجربة حقيقية، حتى لو اضطر إلى الانتظار والمنافسة، أم يريد أن ينتقل إلى الخارج وهو يضمن مكانه الأساسي؟
اللاعب الذي يريد أن يصبح نجمًا يجب أن يعرف أن الطريق قد يبدأ من الدكة.
إنييستا جلس على الدكة، وليفاندوفسكي انتظر فرصته، ونافاس وأوبلاك صبرا حتى وصلا إلى القمة، ونجوم عرب مروا بالمراحل نفسها قبل أن تصبح أسماؤهم كبيرة.
إذن، لماذا لا نصبر نحن؟
العودة إلى الدوري العراقي ليست المشكلة، فالمشكلة أن تصبح العودة هي الخيار الأول عند أول اختبار حقيقي.
اللاعب العراقي يحتاج إلى تطوير مهاراته، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى تطوير عقليته الاحترافية.
لأن الاحتراف يعني الصبر، والمنافسة، والانضباط، والعمل حتى عندما لا تلعب.

