أحمد الطالقاني | مدير مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي – فرع النجف الأشرف
ليست كل قصة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد خبر عابر، ولا كل شائعة يمكن تجاهلها بحجة أنها لم تثبت بعد. بعض القضايا، حين تمس غذاء الناس وصحتهم وثقتهم بما يدخل إلى موائدهم، تستحق أن تتوقف عندها الجهات المعنية والمجتمع على حد سواء.
ما جرى تداوله في النجف الأشرف بشأن قيام أحد القصابين، بحسب الادعاءات المتداولة، بذبح خنزير وبيع لحمه للمواطنين، يضعنا أمام سؤال أكبر من تفاصيل الواقعة نفسها: إلى أي مدى تخضع أسواق اللحوم إلى رقابة حقيقية ودقيقة؟
هنا يجب أن نكون واضحين: الحديث عن الواقعة لا يعني إثباتها. فحتى الآن، تبقى التفاصيل المتداولة بحاجة إلى تحقيق رسمي يحدد ما حدث فعلاً، ومن المسؤول عنه، وما إذا كانت اللحوم المعنية قد بيعت للمواطنين بالفعل. لكن غياب الإثبات لا يعني أيضاً تجاهل السؤال الذي طرحته القضية حول سلامة الرقابة الغذائية.
الغذاء ليس سلعة عادية يمكن التعامل معها بمنطق الربح والخسارة فقط. المواطن الذي يشتري اللحوم يفترض أن هناك سلسلة متكاملة من الإجراءات تبدأ من مصدر الحيوان، وتمر بالمجازر والفحص البيطري، وتنتهي عند محل البيع. وأي خلل في هذه السلسلة يمكن أن يحول مسألة غذائية إلى قضية تتعلق بالصحة العامة والثقة بالسوق.
المشكلة الأكبر أن مثل هذه القضايا، إذا لم تواجهها الجهات المختصة بسرعة وشفافية، فإنها تترك مساحة واسعة للشائعات. وفي عصر تنتشر فيه المعلومة خلال دقائق، قد تصبح صورة أو مقطع فيديو أو منشور غير موثق أكثر تأثيراً من بيان رسمي يأتي بعد أيام.
لذلك، فإن المطلوب ليس فقط معرفة ما إذا كانت الواقعة صحيحة أم لا، وإنما معرفة كيف تتم الرقابة على محال بيع اللحوم في النجف، ومن يتأكد من مصادرها، وكيف تُوثق عمليات الذبح والفحص والتسويق، وما العقوبات التي تطبق عند ثبوت أي مخالفة.
والنجف الأشرف تحديداً ليست مدينة عادية من حيث طبيعتها الدينية والاجتماعية، ولذلك فإن الحفاظ على سلامة أسواقها لا ينبغي أن يكون إجراءً موسمياً مرتبطاً بضجة إعلامية، بل سياسة رقابية مستمرة وفاعلة.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول القلق المشروع إلى إدانة عشوائية. فاتهام قصاب أو محل أو مهنة كاملة من دون دليل قد يلحق ضرراً بأشخاص لا علاقة لهم بالواقعة. ولهذا فإن المسؤولية تقع على طرفين: الجهات الرقابية مطالبة بكشف الحقيقة، والإعلام والمواطنون مطالبون بعدم تحويل الادعاء إلى حقيقة قبل اكتمال التحقيق.
إن كانت الواقعة قد حدثت فعلاً، فالمطلوب محاسبة المسؤولين عنها وكشف مسار وصول اللحوم إلى السوق، ومراجعة منظومة الرقابة لمنع تكرارها. وإن كانت الواقعة غير صحيحة، فالمطلوب أيضاً إعلان ذلك بوضوح ووضع حد للمعلومات المضللة التي تهز ثقة المواطنين بالأسواق وأصحاب المهن.
في الحالتين، هناك درس واحد لا ينبغي تجاهله: سلامة الغذاء لا تحتمل المجاملة، والثقة بالسوق لا تُبنى بالشائعات ولا تُحمى بالصمت، وإنما بالرقابة والشفافية والمساءلة.
فالنجف تستحق أسواقاً آمنة، ومواطنها يستحق أن يعرف ماذا يشتري، ومن أين جاء، وتحت أي رقابة وصل إلى يده.

