فرنسا والعراق: اتفاقيات الشراكة بين حجم الدين وجدوى الاستثمار

د.احمد علي الكناني | سفير عراقي

ليس الهدف من تناول العلاقات الاقتصادية بين العراق وفرنسا التشكيك في أهمية الشراكة بين البلدين ولا التقليل من قيمة التعاون الاقتصادي والاستثماري الذي يمكن أن يحقق مصالح مشتركة. ففرنسا دولة مهمة اقتصاديًا وسياسيًا والعراق بحاجة إلى تنويع شركائه الدوليين واستقطاب الشركات والخبرات والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية. لكن الشراكات الاقتصادية مهما كانت الدول التي تقف خلفها لا تقاس بحجم الاحتفاء السياسي عند توقيعها وإنما بما تنتجه على أرض الواقع من مشاريع وفرص عمل وإيرادات ونقل للتكنولوجيا وتحسين في الخدمات وتعزيز للقدرة الإنتاجية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة الاتفاقيات العراقية–الفرنسية قراءة اقتصادية هادئة بعيدًا عن التأييد المطلق أو الرفض المسبق.

ففرنسا نفسها تواجه تحديًا ماليًا كبيرًا. فقد أظهرت أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي أن الدين العام الفرنسي وفق تعريف ماستريخت بلغ في نهاية الربع الأول من عام 2026 نحو 3.536 تريليون يورو بما يعادل 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي هو فيما بلغ صافي الدين العام 109.7% من الناتج المحلي. وهذه الأرقام لا تعني بأي حال أن الاقتصاد الفرنسي غير قادر على الاستثمار أو أن الشركات الفرنسية غير قادرة على تنفيذ مشاريع خارج فرنسا لكنها تكشف في الوقت نفسه عن بيئة مالية ينبغي أخذها في الاعتبار عند تحليل طبيعة أي اتفاقية أو ترتيبات تمويلية بين العراق والجانب الفرنسي.

وهنا ينبغي التمييز بين الدولة الفرنسية والشركات الفرنسية والمؤسسات المالية الفرنسية. فارتفاع الدين العام الفرنسي لا يعني أن شركة فرنسية مثل TotalEnergies تعتمد على الخزانة الفرنسية في تمويل مشروعاتها في العراق كما لا يعني أن الاتفاقية الموقعة بين العراق وشركة فرنسية هي بالضرورة قرض فرنسي تتحمله الموازنة العراقية. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس كيف تتعاقد فرنسا مع العراق وهي مدينة؟ وإنما ما طبيعة الالتزام الذي ينشأ على العراق من الاتفاقية؟ ومن يمول المشروع؟ ومن يتحمل مخاطره؟ وما الذي يحصل عليه العراق في المقابل؟

وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما نعود إلى الاتفاقيات السابقة.

ففي عام 2021 وقّع العراق اتفاقيات مهمة مع شركة TotalEnergies لتطوير عدد من مشاريع الطاقة في منطقة البصرة قبل أن يعاد ترتيب شروط المشروع في عام 2023، ويصبح لشركة نفط البصرة 30% من المشروع، مقابل 45% لـTotalEnergies و25% لـQatarEnergy. وتضمنت الخطة استثمارات تقارب 10 مليارات دولار وفق الحصص الإجمالية للمشروع من لاستثمار الغاز المحروق وإنشاء منظومة لمعالجة مياه البحر وتطوير إنتاج النفط، وإنشاء مشروع للطاقة الشمسية.

وفي تموز 2023 جرى التوقيع النهائي على مشروع أوسع بلغت قيمته المعلنة نحو 27 مليار دولار وأصبح من أكبر مشاريع الاستثمار الأجنبي في العراق. لكن الملاحظة المهمة هنا أن المشروع لم ينتقل من التوقيع إلى التنفيذ بالسرعة التي توحي بها أرقام الاتفاقية فقد كان أصل الاتفاق قد وقع في 2021 وتأخر التنفيذ نتيجة الخلافات حول بعض الشروط قبل التوصل إلى الصيغة الجديدة في 2023.

وهذا يقودنا إلى قضية أساسية في الاقتصاد العراقي: هل ينبغي أن نقيس نجاح الاتفاقية بتاريخ توقيعها أم بتاريخ تحقق نتائجها؟

فالتوقيع بحد ذاته ليس استثمارًا. والإعلان عن رقم 10 أو 27 مليار دولار لا يعني أن هذا المبلغ دخل الاقتصاد العراقي بالفعل. الاستثمار الحقيقي هو ما يتحول إلى منشأة منتجة أو طاقة كهربائية أو غاز مستثمر بدل حرقه أو مياه معالجة أو إنتاج نفطي إضافي أو وظائف أو إيرادات أو خفض في فاتورة الاستيراد.

وهنا يمكن القول إن مشروع TotalEnergies يقدم حالة مناسبة لاختبار هذا المعيار. فقد بدأت الشركة في كانون الثاني 2025 إنشاء أول منشأة لمعالجة الغاز ضمن المشروع بطاقة معالجة تبلغ 50 مليون قدم مكعب يوميًا وذكرت الشركة أن الغاز المنتج سيستخدم لتوفير الطاقة لنحو 200 ألف منزل في منطقة البصرة. كما بدأت لاحقًا أعمال مكونات أخرى من المشروع بما فيها مشروع معالجة مياه البحر.

وهذا يعني أن المشروع لم يبقَ مجرد إعلان سياسي وإنما انتقل بالفعل إلى مرحلة التنفيذ في بعض مكوناته. وفي المقابل فإن السؤال الاقتصادي لا ينتهي هنا بل يبدأ ما مقدار ما تحقق فعليًا مقارنة بما كان معلنًا؟ وما حجم الإنفاق المنفذ؟ وما الإيرادات أو الوفورات التي حصل عليها العراق؟ وما نسبة المكون المحلي؟ وكم فرصة عمل عراقية نتجت؟ وما مقدار التكنولوجيا والخبرة التي انتقلت إلى المؤسسات العراقية؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن ترافق كل اتفاقية جديدة.

كما أن الاتفاقية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها علاقة بين العراق وفرنسا فقط؛ فمشروع GGIP نفسه أصبح مشروعًا متعدد الشركاء إذ تمتلك TotalEnergies نسبة 45% وشركة نفط البصرة 30% وQatarEnergy نسبة 25%. وفي المشروع الشمسي دخلت QatarEnergy أيضًا كشريك في المشروع.

ومن ثم فإن وصف الاتفاقية بأنها فرنسية–عراقية يحتاج إلى قدر من الدقة.فالشركة الفرنسية هي المستثمر والمشغل الرئيسي لكنها ليست الدولة الفرنسية نفسها، كما أن المشروع يضم شركاء من دول أخرى.

وتزداد أهمية هذا التفريق مع التطورات الجديدة في العلاقات العراقية–الفرنسية. ففي أيلول 2026 أعلن العراق وفرنسا الاتفاق على الدخول في مباحثات بشأن مشاريع طاقة جديدة مع TotalEnergies كما وقّعا خطاب نوايا يتعلق بتمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية إلى جانب إعلان نوايا في مجال الطيران المدني. وهذا يعني أن التعاون لم يعد مقتصرًا على مشروع واحد وإنما يتجه إلى مساحات أوسع من التعاون الاقتصادي والمؤسسي.

وهنا تحديدًا يجب أن ينتقل النقاش العراقي من ثقافة توقيع الاتفاقيات إلى ثقافة تقييم الاتفاقيات.

فإذا كانت فرنسا تمتلك شركات قادرة على الاستثمار في العراق فهذا أمر إيجابي. وإذا كانت المؤسسات الفرنسية مستعدة لتمويل مشاريع تنموية فهذا يمكن أن يكون فرصة مهمة للعراق. وإذا كانت الشركات الفرنسية تمتلك خبرة في الطاقة والنقل والمياه والطيران والبنية التحتية، فإن العراق يمكن أن يستفيد من هذه الخبرات. لكن الاستفادة لا تتحقق بمجرد توقيع مذكرة تفاهم أو اتفاقية إطار.

القيمة الاقتصادية الحقيقية تظهر عندما يستطيع العراق أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة قبل توقيع أي اتفاقية كم سيدفع العراق؟ كم سيستثمر الطرف الآخر؟ ما مدة المشروع؟ ما العائد السنوي المتوقع؟ هل توجد ضمانات سيادية؟ من يتحمل مخاطر تغير الأسعار وسعر الصرف؟ ما نسبة العمالة العراقية؟ ما حجم المشتريات من السوق المحلية؟ هل هناك نقل حقيقي للتكنولوجيا؟ ماذا يحدث إذا تأخر المشروع؟ ومن يتحمل كلفة التأخير؟ وما آلية فض النزاعات؟ وهل يستطيع العراق إنهاء الاتفاقية إذا لم تتحقق الالتزامات؟

إن وجود دين عام فرنسي يتجاوز 117% من الناتج المحلي لا ينبغي أن يتحول إلى حجة سياسية ضد فرنسا لكنه يجب أن يدفع الجانب العراقي إلى مزيد من التدقيق في طبيعة التمويل. فهناك فرق كبير بين استثمار أجنبي تتحمل الشركة فيه المخاطر التجارية وبين قرض تتحمله الموازنة العراقية وبين تمويل مختلط يجمع بين القرض والضمانات الحكومية وبين عقد طويل الأجل تترتب عليه التزامات مالية مستقبلية.

وهذا التمييز بالغ الأهمية بالنسبة إلى العراق خصوصًا في ظل اعتماد اقتصاده الكبير على النفط وحساسية الموازنة تجاه أسعار الخام. فليس كل مبلغ معلن في اتفاقية يمثل عبئًا على الخزينة العراقية كما أن ليس كل استثمار أجنبي يمثل منفعة تلقائية للعراق.

المعيار الحقيقي هو صافي القيمة التي يضيفها المشروع للاقتصاد العراقي.

فإذا أدى المشروع إلى تقليل حرق الغاز واستثماره في توليد الكهرباء فإن قيمته لا تقاس فقط بحجم الاستثمار بل أيضًا بحجم الغاز الذي كان العراق يحرقه ثم أصبح يستفيد منه. وإذا أدى مشروع الطاقة الشمسية إلى إنتاج كهرباء جديدة، فالقيمة يجب أن تقاس كذلك بما يوفره العراق من وقود أو استيراد. وإذا أدى مشروع معالجة مياه البحر إلى حماية المياه العذبة وزيادة كفاءة إنتاج النفط فإن قيمته تتجاوز كلفة المنشأة نفسها. وإذا أدت الاتفاقية إلى تدريب الكوادر العراقية ونقل التكنولوجيا فإن ذلك يمثل عائدًا طويل الأجل لا يظهر بالضرورة في الرقم المعلن عند توقيع الاتفاقية.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الاتفاقيات العراقية–الفرنسية ليس هل فرنسا مدينة؟ وإنما هل العراق يحصل على قيمة اقتصادية حقيقية تتناسب مع ما يقدمه من موارد وضمانات والتزامات؟

وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية ماذا تحقق من الاتفاقيات السابقة؟

فالعراق وقع خلال السنوات الماضية عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع دول وشركات مختلفة لكن المشكلة أن الدولة العراقية لا تقدم للرأي العام بصورة منتظمة تقريرًا واضحًا يبين عدد الاتفاقيات التي تحولت إلى مشاريع وما الذي تعثر منها وما الذي أُلغي وما حجم الأموال التي استثمرت فعلًا وما العوائد التي تحققت.

إن إنشاء سجل وطني لمتابعة الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية الدولية يمكن أن يكون خطوة مهمة. يتضمن هذا السجل تاريخ توقيع الاتفاقية قيمتها أطرافها مصدر التمويل مدة التنفيذ الالتزامات المالية على العراق نسبة الإنجاز عدد الوظائف التي تحقق المردود الاقتصادي والملاحظات المتعلقة بالتأخير أو التعديل أو الإلغاء.

عندها فقط يستطيع المواطن والبرلمان والباحث الاقتصادي أن يعرفوا الفرق بين اتفاقية ناجحة واتفاقية بقيت حبرًا على ورق.

إن العراق لا يحتاج إلى أن يختار بين فرنسا وغيرها على أساس سياسي وإنما يحتاج إلى أن يختار أفضل الشروط الاقتصادية للعراق. ويمكن لفرنسا أن تكون شريكًا مهمًا للعراق كما يمكن للشركات الفرنسية أن تلعب دورًا في الطاقة والمياه والنقل والطيران والبنية التحتية لكن الشراكة الناجحة هي التي تحقق مصلحة متبادلة واضحة وقابلة للقياس.

وفي النهاية، فإن حجم الدين الفرنسي البالغ 117.5% من الناتج المحلي يمثل حقيقة مالية مهمة لكنه ليس معيارًا للحكم على نجاح أو فشل الاتفاقيات العراقية–الفرنسية. المعيار الذي ينبغي أن يحكم العلاقة هو شيء آخر تمامًا هل تتحول الاتفاقيات إلى استثمارات حقيقية وهل تضيف إلى الاقتصاد العراقي قيمة أكبر من الالتزامات التي يتحملها العراق؟

فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من الاتفاقيات لمجرد زيادة عددها وإنما يحتاج إلى اتفاقيات قابلة للتنفيذ ومشاريع قابلة للقياس وعوائد يمكن حسابها ورقابة تتابع التنفيذ حتى النهاية.

وهنا تكمن الفائدة الحقيقية من الشراكة مع فرنسا أو مع أي دولة أخرى ليس في عدد الاتفاقيات التي توقعها الدولة وإنما في مقدار ما تضيفه تلك الاتفاقيات إلى قوة الاقتصاد العراقي واستقلال قراره وقدرته على تحويل موارده إلى تنمية مستدامة.