علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
لطالما ارتبط أمن الطاقة بقدرة الدول على إنتاج النفط والغاز وتأمين مصادرهما، لكن هذه المعادلة تخفي جزءاً أكثر حساسية من القصة. الطاقة لا تصل إلى الأسواق بالطريقة التي تخرج بها من الحقول. بين المنتج والمستهلك شبكة واسعة من الممرات البحرية التي تحمل ملايين البراميل وشحنات الغاز عبر المضائق والبحار والقنوات. وعندما يتعرض أحد هذه الطرق للاضطراب فإن تأثيره لا يبقى محصوراً في حركة السفن.
فالمسافة الأطول تعني وقوداً أكثر. والمخاطر الأعلى تعني تأميناً أغلى. والوقت الإضافي يعني كلفة أكبر ورأس مال يبقى عالقاً في البحر. ومع اتساع الاضطراب من ممر إلى آخر يمكن أن تتحول هذه التكاليف المتفرقة إلى عامل مؤثر في توازن سوق الطاقة نفسه.
لهذا أصبحت الجغرافيا البحرية جزءاً من معادلة القوة في سوق الطاقة. فالمضيق الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز لا يمثل مجرد نقطة عبور على الخريطة. والقناة التي تختصر آلاف الأميال تمنح التجارة قيمة اقتصادية تتجاوز حدودها الجغرافية.
حين يصبح أحد هذه الممرات معرضاً للإغلاق أو التقييد أو حتى لارتفاع مستوى المخاطر فيه فإن السوق يبدأ بإعادة حساباته قبل أن تتوقف شحنة واحدة. شركات النقل تعيد تحديد مساراتها. شركات التأمين تعيد تقدير المخاطر. والمشترون يبحثون عن مصادر أقرب أو طرق أكثر أمناً. ومع كل تعديل تتغير كلفة الطاقة التي تصل إلى المستهلك.
وتظهر هشاشة هذه الشبكة عندما ننظر إلى أهم عقدها في صورة واحدة. باب المندب يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس ويختصر الطريق بين منتجي الخليج والأسواق الأوروبية. اضطرابه يدفع جزءاً من حركة السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وهو تغيير يضيف المسافة والوقت والوقود والتأمين إلى كلفة الشحنة.
وفي الطرف الآخر يقف مضيق هرمز كواحد من أكثر الممرات حساسية في تجارة الطاقة العالمية. فهو البوابة البحرية التي تعبر منها كميات ضخمة من صادرات الخليج إلى الأسواق الخارجية.
وأي قيود واسعة على الحركة فيه لا تعني تغيير مسار الناقلة فقط. إنها تمس قدرة جزء أساسي من الإنتاج العالمي على الوصول إلى المستهلك. وبين هذين الممرين تأتي قناة بنما بصورة مختلفة.
فالجفاف وتراجع القدرة على تمرير السفن فيها أظهرا أن الممرات التجارية لا تحتاج دائماً إلى حرب كي تصبح نقطة اختناق. وقد تتسبب الطبيعة نفسها في تقليص الطاقة الاستيعابية لطريق عالمي ودفع السفن إلى البحث عن مسارات أطول. وفي أوروبا أضافت الحرب الروسية الأوكرانية طبقة أخرى إلى المشهد.
فقد أدت العقوبات وتراجع الاعتماد الأوروبي على مصادر الطاقة الروسية إلى إعادة توجيه تدفقات النفط والغاز وظهور مسارات جديدة وتنافس أكبر على الناقلات ومرافق التخزين والاستيراد.
هكذا تبدو الخريطة كشبكة واحدة. كل عقدة فيها تؤدي وظيفة مختلفة. لكن الضغط على أكثر من عقدة في الوقت نفسه يقلل عدد الخيارات المتاحة أمام السوق ويجعل أي اضطراب جديد أكثر قدرة على تحريك الأسعار.
المسألة الأعمق لا تتعلق بسعر الشحنة التي تتأخر في البحر. إنها تتعلق بإعادة تشكيل خريطة الطاقة نفسها. عندما تتكرر الاختناقات في الممرات الرئيسية تبدأ الدول في البحث عن جغرافيا أكثر أمناً لإمداداتها. وقد يصبح الميناء أو خط الأنابيب أو محطة التخزين جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للدولة بقدر أهمية حقل النفط نفسه.
المنتجون يعيدون توزيع أسواقهم. والمستهلكون يبحثون عن تنوع أكبر في المصادر. والاستثمارات تتجه نحو البنية التي تمنح الطاقة قدرة أكبر على الحركة عند الأزمات. بهذا المعنى تتحول الممرات الملاحية من بنية تحتية للتجارة إلى عنصر يحدد خيارات الدول في أمنها الاقتصادي والطاقة.
عندما تضغط الاضطرابات على أكثر من ممر في الوقت نفسه تضيق قدرة السوق على إعادة توزيع حركة الطاقة. تتأخر الشحنات وتتكدس الضغوط على الناقلات والموانئ ومرافق التخزين.
وهنا تتحدد قوة منظومة الطاقة بقدرتها على الانتقال بين مصادر وطرق متعددة عند تعطل إحدى حلقاتها. كلما اتسعت الخيارات أمكن امتصاص الصدمة. وكلما ضاقت أصبح أثر الاضطراب أكبر من موقعه الجغرافي. وقد ينتقل من حركة الملاحة إلى التجارة والصناعة ثم إلى المستهلك.
وهنا تبرز مفارقة أساسية في سوق الطاقة. قد يستمر الإنتاج العالمي عند مستويات مرتفعة.
لكن ذلك لا يعني أن الكميات نفسها متاحة لكل الأسواق. فتعطل الطرق أو تباطؤها يعيد توزيع الإمدادات بين المناطق ويخلق نقصاً محلياً حتى عندما لا يكون هناك نقص عالمي مماثل. ومع تزامن الاضطرابات في عدة مسارات يمكن أن تتسع هذه الفجوة سريعاً. عندها يصبح حجم الطاقة المتاحة فعلياً في السوق أهم من حجم الطاقة الموجودة في حقول الإنتاج.
ومن هذه النقطة يبدأ الأثر العالمي. ارتفاع كلفة الوصول إلى الطاقة يضغط على أسعار النفط والغاز وينعكس على النقل والصناعة والتجارة. ومع ارتفاع الأسعار تتسع كلفة الإنتاج وتزداد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وقد تجد الدول نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً. فهي لا تبحث فقط عن مصادر جديدة للطاقة. وإنما عن طرق أكثر أمناً لإيصالها.
لهذا فإن أمن الطاقة في السنوات المقبلة قد لا تحدده قدرة العالم على إنتاج المزيد من النفط والغاز وحدها. وإنما قدرته على إبقاء الطرق التي تحمل هذه الطاقة مفتوحة وقابلة للعمل تحت الضغط. فالممر الملاحي ليس مساحة تفصل بين نقطتين على الخريطة.
إنه جزء من سلسلة الأمن الاقتصادي العالمي. وكلما ازدادت هشاشة هذه السلسلة أصبح أي مضيق أو قناة أو بحر قادراً على التأثير في سعر الطاقة وفي الاقتصاد الذي يعتمد عليها.
وربما تكون المعادلة الأكثر وضوحاً في هذا المشهد أن العالم لا يواجه فقط سباقاً على مصادر الطاقة. وإنما سباقاً على الطرق التي تجعل تلك المصادر قابلة للوصول.

