د. نبيل رحيم العبادي | خبير مالي ومصرفي
في السادس من تشرين الأول 2026، قرر البنك المركزي العراقي خفض قيمة الدينار أمام الدولار إلى 1520 دينارًا للسعر النقدي و1500 دينار لسعر وزارة المالية، وجاء القرار استجابة سريعة لطلب وزارة المالية لتغطية عجز الموازنة. والطلب والاستجابة والقرار كلها غير مدروسة، لأنها تتعامل مع سعر الصرف كأنه زر سحري يطبع الأموال، بينما هو، في اقتصاد ريعي أحادي يعتمد على استيراد كل شيء تقريبًا، مجرد ضريبة جديدة على المواطن الفقير.
والخطأ الأكبر يقع في طريقة احتساب الأثر المالي لهذا التخفيض، فمن الخطأ احتساب ما يحققه تخفيض الدينار من إيراد عبر ضرب القيمة الجديدة في إيرادات النفط الكلية، والصحيح أن نطرح من إجمالي الإيرادات النفطية نفقات شركات التراخيص النفطية، وتسديد الديون الخارجية والفوائد والالتزامات الخارجية بالدولار، والسلع التي تستوردها الحكومة، مثل الغاز والكهرباء والمشتقات النفطية ومواد البطاقة التموينية، والصافي بعد هذه المدفوعات هو الذي يُضرب في السعر الجديد.
فإذا كانت الإيرادات النفطية 80 مليار دولار سنويًا، ومدفوعات الحكومة 20 مليار دولار، فإن الصافي 60 مليار دولار، وعند ضربه بالسعر الجديد البالغ 1500 دينار يكون الناتج 90 تريليون دينار، وعند ضربه بالسعر القديم البالغ 1300 دينار يكون الناتج 78 تريليون دينار، أي أن الفارق الفعلي 12 تريليون دينار سنويًا فقط، وهو لا يشكل سوى 5.5% من إجمالي النفقات العامة في موازنة 2027.
هذا الرقم الهزيل لا يستحق أن يخسر العراق بسببه استقرار الأسعار وقوة الدينار وقوت الفقير. ففي اقتصاد يستورد غذاءه ودواءه ووقوده وحتى الكهرباء، لا يعني تخفيض العملة تحفيز التصدير ولا حماية الصناعة المحلية، بل يعني ارتفاعًا فوريًا في تكلفة الدولار على المستوردين، وينعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات والنقل، ويشعل موجة تضخم مستورد تضرب أولًا الطبقات الأكثر هشاشة.
فأصحاب الدخول المحدودة والموظفون والفقراء الذين يحتفظون بمدخراتهم بالدينار سيرون أجورهم الحقيقية ومدخراتهم تتآكل بسرعة، بينما يجد تجار العملة والمضاربون في كل تخفيض فرصة جديدة للربح.
والحقيقة أن العلاج ليس قرارًا ارتجاليًا في سعر الصرف، بل إصلاح هيكلي يرشد الإنفاق، ويحارب الفساد، وينوع مصادر الإيراد غير النفطي. أما تخفيض الدينار بهذه الطريقة، فهو رهان على جيوب الفقراء لتغطية خلل مالي مزمن، ورهان خاسر على المدى القصير والطويل.

