د.نبيل رحيم العبادي | خبير مصرفي و مالي
في غرفة مغلقة لا نوافذ لها، لا تُتخذ قرارات المال الكبرى بالخطب، بل بالأرقام الصامتة. وحين نقرأ أرقام بكين في 2025، نجد أن الصين أضافت 27 طنًا إلى احتياطيها من الذهب ليبلغ 2,306 أطنان، وخفضت حيازاتها من السندات الأمريكية بمقدار 755 مليار دولار لتصل إلى 683.5 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ 2008. هذه ليست صدفة، بل استراتيجية (نزع الدولرة) التدريجية: بناء درع من المعدن الأصفر، والتخارج المحسوب من أدوات الدين الأمريكي، وتدويل اليوان عبر أنظمة دفع موازية.
الدرس الأول للعراق: الذهب درع سيادي، لا ترف. فبعد تجميد أصول روسيا، أدركت العواصم أن الاحتياطي ليس رقمًا في البنك المركزي فقط، بل أداة أمان جيوسياسي. والعراق، باقتصاد ريعي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90%، هو الأكثر عرضة للصدمات الخارجية. فزيادة احتياطي الذهب — ضمن حدود السيولة المتاحة — ليست هروبًا من الدولار، بل تنويعًا يحمي قيمة الاحتياطي من تقلبات السياسة النقدية الأمريكية.
الدرس الثاني: التوقيت. تشتري بكين الذهب على دفعات محسوبة، مستفيدة من فترات التراجع السعري، لا من قمم الأسعار. وعلى العراق أن يتبنى سياسة (الشراء المرحلي) عبر البنك المركزي، بدلًا من الانتظار لقرارات انفعالية. أما بيع السندات الأمريكية، فيجب أن يكون تدريجيًا ومحسوبًا، لأن البيع المفاجئ يضر بقيمة ما تبقى منها، وقد يربك أسواق الصرف المحلية.
الدرس الثالث والأهم: لا تخلط بين التخلي عن الدولار وتقليل الاعتماد عليه. العراق يستورد الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية بالدولار، ولا يملك بعد بديلًا كاملًا. لذا فإن المسار الواقعي هو: ذهب أكثر، وسندات أمريكية أقل بوتيرة هادئة، وتوسيع التسويات التجارية بالعملات المحلية مع الشركاء الإقليميين، وتطوير أنظمة دفع بديلة.
الصين لا تسبح ضد التيار، بل تبني قاربها الخاص ببطء. والعراق، الذي يملك احتياطيًا نقديًا معتبرًا، يستطيع أن يبدأ اليوم ببناء درعه الذهبي نفسه — بخطوات صغيرة، لكنها في الاتجاه الصحيح.

