ساسون حسقيل .. مهندس المالية العراقية ورجل المؤسسات!

د. محمد بهجت ثامر | كاتب وخبير استشاري

تقاس مكانة الرجال في التاريخ بما يبقى من أفكارهم ومواقفهم بعد رحيلهم، لا بحجم المناصب التي تقلدوها، ومن بين اشهر من تبوء مناصب قيادية في تاريخ العراق يأتي اسم ساسون حسقيل كأنموذجاً فريداً للكفاءة والنزاهة في إدارة الشؤون المالية وذلك بعد انضمامه إلى أول حكومة عراقية عند تأسيس المملكة العراقية عام 1921 حيث شغل منصب وزير المالية لخمس دورات متتالية، مرسخاً قواعد مالية صارمة حمت الاقتصاد العراقي الناشئ في ظروف سياسية معقدة وضع حسقيل فيها أول نظام للميزانية العامة والمحاسبة الحكومية في العراق، كما ساهم بشكل رئيس في التمهيد لإصدار الدينار العراقي واستقلاله عن الروپية الهندية ، عُرف بالتدقيق الشديد في الصرف والحفاظ على المال العام حتى أصبح مضرباً لمثل دارج في التراث العراقي حتى اليوم وهو “لا تحسقلها” للإشارة إلى الرجل الذي يدقق في كل صغيرة وكبيرة ولا يفرط في فلس واحد من أموال الدولة. والحقيقة ان حسقيل لم يكن بخيل على المستوى الشخصي في حياته الخاصة، بل كان حرصاً شديداً وانضباطاً صارماً من قبله لحماية الخزينة العامة في العراق والتي كانت في طور التأسيس وقت ذاك.

اشتهر برفضه رفضاً قاطعاً لطلب من الملك فيصل الأول لصرف مبلغ مالي لحالة طارئة قائلاً إن هذا يخالف القانون، مشدداً على أن أموال الدولة لا تُصرف إلا وفق التشريعات. كما عرف بمجادلاته المستمره لرئيس الوزراء الأسبق نوري السعيد، ومنها موقفه الصلب في كواليس المفاوضات النفطية الشهيرة مع المفاوضين البريطانيين حاولوا إقناعه بشتى الطرق للتنازل عن شرط “الباوند الذهب”، لكنه تمسك به بقوة وحزم، الأمر الذي حمى الميزانية العراقية لاحقاً من انهيار العملات التضخمي وأتاح للعراق بناء غطاء مالي متين امتد أثره لعقود طويلة. لم يكن حسقيل مجرد رجل أرقام فحسب ، بل كان رجلا من طراز فريد ، صريحاً وحاذقاً وسياسياً بارعاً يمتلك رؤية سياسية واقتصادية بعيدة المدى ، حيث أسهمت سياسته إلى جعل الدينار العراقي من أقوى العملات في العالم في سبعينيات القرن الماضي وكانت قيمته الاسمية والمعادلة رسمياً تُساوي 3.5 دولار أمريكي للدينار الواحد.اليوم وبعد قرار مجلس الوزراء العراقي برفع سعر الصرف الرسمي للدولار من 1320 ديناراً إلى 1500 ديناراً بهدف تغطية عجز الموازنة المتفاقم تبرز أهمية وجود هكذا وزراء يعارضون وليس وزراء “Yes Man” خصوصاً ونحن نمر بظرف استثنائي متخم بالتحديات الإقليمية وردود الأفعال الآنية المبنية على العواطف الغير مجردة ، فالتاريخ لا يتذكر اصحاب المناصب الكلاسيكين ، بل سيتذكر فقط المؤسسين وصناع الأثر الذين يملكون بصمة ورؤية استشرافية في المستقبل تتجاوز زمانهم.