وثائق تكشف فروق مناسيب وحلولًا مؤجلة في ذي قار
منذ 2021، تتوالى في سيد دخيل كتبُ الشكوى والمعالجات بشأن أزمة المياه، قبل أن تنتقل وثائق 2024 و2026 إلى مشكلات هندسية محددة في شط آل إبراهيم. وتكشف الأوراق الرسمية ورد الوزارة أن تغذية الشط تعتمد في أكثر من نقطة على الضخ، وأن مقطعًا بين الكيلومترين 26 و30 يحتاج إلى خفض القاع وإعادة التبطين، لكن المعالجة لم تُنفذ لغياب التمويل. مجلس محافظة ذي قار يتحدث عن «أخطاء تصميمية وتنفيذية»، بينما تُرجع الوزارة الأزمة كذلك إلى الشحّ والتجاوزات وتوقّف استكمال بقية المنظومة بعد 2014. وفي القرى الواقعة على ذنائب الشط، تركت عائلات أرضها وغادرت، وصار شراء الماء بندًا في نفقات البيت.
- تعتمد تغذية شط آل إبراهيم في أكثر من نقطة على الضخ؛ فعند ناظم الحمزة لا يتوافر في أفضل الظروف سوى نحو 2 متر مكعب في الثانية من حصة مصممة تبلغ 5أمتار مكعبة.
- مقطع بين الكيلومترين 26 و30 يحتاج إلى خفض القاع وإعادة التبطين، قُدّرت كلفة معالجته في 2024 بنحو 700 مليون دينار، لكن التمويل لم يتوفر.
- مجلس محافظة ذي قار يتحدث عن «أخطاء تصميمية وتنفيذية»، بينها سماكات تبطين تراوحت بين 3 و6سنتيمترات بدل 8 سنتيمترات المحددة في الكشوف، بحسب المجلس.
- نحو 1% فقط من شبكة الجداول والقنوات في ذي قار مبطّن، فيما تراجعت المساحات المزروعة شتاءً بنحو 46%خلال عامين.
- بين 150 و200 عائلة غادرت 15 قرية على الشط خلال السنوات الماضية، بحسب تقدير محلي.
في قرية العبودة، على شط آل إبراهيم في قضاء سيد دخيل شرقي ذي قار، لم تعد شحة المياه بالنسبة إلى «أبو علي»، الخمسيني الذي يعيش في القرية، أزمة صيفية عابرة. يقول إن عائلته صارت تشتري مياه الشرب والاستخدام اليومي من مناطق أخرى، بعدما تراجعت المياه التي تصل إلى المنطقة عامًا بعد آخر.
امتدت الأزمة إلى مصدر رزقه أيضًا. كان أبو علي يزرع 20 دونمًا ويعتمد على تربية المواشي، لكنه يقول إنه ترك الأرض بلا زراعة قرابة خمس سنوات واضطر إلى بيع الحيوانات لصعوبة تأمين الماء. ويصف شدة الأزمة بقوله إن المياه لا تكفي أحيانًا «لغسل الوجه واليدين»، ويروي أن أحد سكان المنطقة لجأ إلى جمع المياه المتكثفة من جهاز التكييف للاستفادة منها في الاستخدامات البسيطة.
كان الرحيل خيارًا متاحًا لبعض جيرانه، وليس له. يقول إن عائلات انتقلت إلى مناطق زراعية في قضاء الزبير بالبصرة بحثًا عن مصادر أكثر استقرارًا، بينما بقي هو لأن كلفة إيجار منزل جديد ونفقات المعيشة تتجاوز قدرته: «أنا لا أملك منفذًا ماليًا آخر، لذلك بقيت هنا رغم كل شيء».
تحقيق «عابر» تتبّع أزمة المياه في شط آل إبراهيم عبر شهادات سكان ومسؤولين، وراجع وثائق رسمية صادرة في 2021 و2024 و2026، إلى جانب رد من وزارة الموارد المائية. لا تثبت الأدلة أن مشروع التبطين وحده هو سبب الشحة، ولا أن كل المضخات أضيفت نتيجة خلل واحد؛ لكنها تكشف منظومة يعمل فيها شط آل إبراهيم بثلاثة مصادر تغذية، تعتمد عند أكثر من نقطة على رفع المياه بالضخ، بينما تقر الوزارة بفرق في المناسيب عند أحد المصادر وبالحاجة إلى معالجة مقطع من القناة. وفي المقابل، يحمّل مجلس محافظة ذي قار التصميم والتنفيذ جزءًا من الخلل، بينما تعزو الوزارة جانبًا مهمًا من الأزمة إلى انخفاض الإطلاقات والتجاوزات وعدم استكمال بقية المنظومة بسبب أزمة التمويل.
قرى على ذنائب الشط
على مسافة غير بعيدة، يروي أبو كاظم عبد الله شعيبث قصة مشابهة. يمتلك 270 دونمًا، لكنه يقول إنه تركها من دون زراعة منذ سبع سنوات بسبب نقص المياه، واضطر أبناؤه إلى العمل في البناء بأجور يومية غير ثابتة. هو أيضًا يربط تراجع المياه بالطريقة التي نُفذت بها أعمال تبطين شط آل إبراهيم، ويقول إن المشكلة أصبحت أكثر وضوحًا عندما انخفضت الإطلاقات.
بحسب أبو كاظم، لجأت الجهات المعنية إلى نصب مضخات عند بداية الشط لدفع المياه، إلا أن ذلك لم ينهِ المشكلة. ويقول إن العائلات القادرة ماليًا غادرت إلى مناطق تتوافر فيها المياه، بينما ظل آخرون لأنهم لا يستطيعون تحمّل كلفة الانتقال.
ويقول أبو كاظم إن توقف الزراعة غيّر اقتصاد الأسرة بالكامل. فالأرض التي تبلغ مساحتها 270 دونمًا لم تعد تدر دخلًا، فيما يعتمد أبناؤه على أعمال البناء حين تتوافر، بأجر يقارب 35 ألف دينار في اليوم. وبالنسبة إليه، لا يجعل ضعف الدخل الرحيل أسهل بل أصعب؛ إذ تحتاج الأسرة إلى إيجار منزل جديد ونفقات معيشة في منطقة أخرى، وهو ما يقول إنه لا يستطيع تحمله، رغم أن عائلات أخرى غادرت بالفعل نحو الزبير في البصرة.
ويقدّر عبد الأمير ثامر، وهو مختار لعدد من القرى الممتدة على الشط – والمختار مسؤول محلي يتابع شؤون السكان ويصدر تأييدات السكن – أن 15 قرية، بينها العبودة وآل بارز وآل مصبح والرحيمات وآل شعيبث، تضم أكثر من 700 عائلة، غادرت منها خلال السنوات الماضية بين 150 و200 عائلة بسبب تراجع المياه وصعوبة استمرار النشاط الزراعي. ويظل هذا الرقم تقديرًا محليًا للقرى التي يتابعها، لا إحصاءً رسميًا شاملًا للقضاء.
حين يعلو قاع الشط عند أحد مصادر تغذيته
شط آل إبراهيم قناة إروائية بطول نحو 36 كيلومترًا تقع في نهاية منظومة مترابطة تتغذى من شط الشطرة، الذي يتصل بدوره بنهر الغراف. وتقول وزارة الموارد المائية في رد على أسئلة التحقيق إنها باشرت تبطين الشط في 2012 وأنجزت العمل في 2013، بعد سنوات كان الشط خلالها يعاني تراكم الترسبات والقصب والحاجة المستمرة إلى التنظيف.

لكن الوزارة تقول إن المشروع كان جزءًا من منظومة أوسع لم تكتمل. فبعد الأزمة المالية والظروف التي شهدها العراق في 2014، توقف العمل على استكمال أجزاء مرتبطة، من بينها شط الشطرة وشط الكسر. كما تشير إلى وجود تجاوزات على المجاري المائية تعوق وصول التصاريف المطلوبة.
ويكشف الرد الوزاري نفسه عن إحدى المشكلات الهندسية الأساسية التي واجهت تشغيل الشط: قاع شط آل إبراهيم أعلى من قاع شط الشطرة عند أحد مصادر التغذية. وتقول الوزارة إن الحصة المصممة عند ناظم الحمزة – وهو منشأة للتحكم في تدفق المياه – تبلغ 5 أمتار مكعبة في الثانية، بينما لا تتوافر في أفضل الظروف سوى نحو مترين مكعبين في الثانية، ما دفعها إلى نصب ثلاث مضخات لرفع المياه إلى الشط.
وتفصّل الوزارة ثلاث نقاط لتغذية الشط، لكل منها مشكلاتها الخاصة. المصدر الأول من شط الشطرة عند ناظم الحمزة؛ وإلى جانب نقص التصريف، تقول الوزارة إن فرق منسوب القاع هناك استدعى رفع المياه بالمضخات. أما المصدر الثاني فمن قناة الصالحية، التي تقول الوزارة إن التجاوزات على مسارها تعوق وصول المياه إلى محطة ترفعها إلى شط آل إبراهيم عند الكيلومتر 20، ما استدعى نصب مضخات إضافية. ويأتي المصدر الثالث من نهر الفرات عبر مضخة كهربائية بتصريف يبلغ 4.5 أمتار مكعبة في الثانية.

ويضيف الخبير في الشأن المائي المهندس جاسم الأسدي أن شط آل إبراهيم يعتمد بدوره على ثلاثة مغذيات، اثنان منها من منظومة نهر الغراف والثالث من نهر الفرات. ويقول إن أجزاءً من هذه المغذيات ما تزال ترابية، وتعاني تراكم القصب والعوالق والترسبات، بينما يواجه شط الشطرة – وهو المغذي الرئيسي للشط – مشكلة أخرى تتمثل في الأنقاض والحجارة والمخلفات داخل مجراه. وبحسب الأسدي، يحتاج شط الشطرة إلى أعمال كري لنحو ثلاثة كيلومترات باستخدام حفارة متخصصة؛ وقد وصلت إحدى حفارات الوزارة إلى المنطقة، إلا أن العمل لم يبدأ لعدم توافر آليات مساندة، بينها الجرافات والقلابات اللازمة لنقل الأطيان والمخلفات. ويقول الأسدي إن محافظ ذي قار تعهد بتوفير هذه الآليات لبدء العمل.
هذه التفاصيل تجعل المشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد «قلة مياه» أو «مشروع تبطين فاشل». فعند ناظم الحمزة وحده، لا يتوافر، بحسب رواية الوزارة، سوى نحو 40% من التصريف المصمم للشط في أفضل الظروف، بالتزامن مع فرق في منسوب القاع يستلزم رفع المياه ميكانيكيًا. وفي المصادر الأخرى تظهر مشكلات مختلفة، من التجاوزات إلى الحاجة لمحطات الرفع. لذلك يصبح السؤال الهندسي الأساسي هو مدى قدرة أجزاء المنظومة المترابطة على العمل معًا بالمناسيب والتصاريف التي صُممت لها، لا مجرد وجود التبطين من عدمه.
لذلك يصبح السؤال الهندسي الأساسي هو مدى قدرة أجزاء المنظومة المترابطة على العمل معًا بالمناسيب والتصاريف التي صُممت لها، لا مجرد وجود التبطين من عدمه.
وتفسر هذه البنية لماذا تتقاطع في أزمة الشط عوامل مختلفة: محدودية الواردات، وأجزاء لم تُستكمل، وتجاوزات على مسارات التغذية، وفروق في المناسيب عند بعض النقاط. وهي عوامل تجعل من الصعب رد الشحة إلى سبب واحد، لكنها في الوقت نفسه تترك أسئلة مفتوحة حول سلامة التصميم والتنفيذ وفعالية الحلول التي طُرحت لاحقًا.

من أزمة مياه الشرب إلى معالجة هندسية مؤجلة
تُظهر الوثائق أن أزمة المياه في سيد دخيل أقدم من التشخيص الهندسي التفصيلي لشط آل إبراهيم. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2021، خاطبت قائممقامية القضاء محافظة ذي قار بشأن «معالجة شحة مياه قضاء سيد دخيل»، وقالت إن القضاء يعاني «انقطاعًا تامًا لمياه الشرب».
وأرفقت كشفًا بعدة مشاريع لمعالجة مياه الشرب، لكل منها كلفة تخمينية مستقلة، يبلغ مجموعها قرابة 20 مليار دينار، تشمل محطة لضخ المياه الخام وخطوطًا ناقلة ومجمعات ماء لقرى في القضاء. ولا تمثل هذه الحزمة، بحسب الوثيقة، كلفة لإصلاح مشروع التبطين نفسه، بل معالجة أوسع لأزمة مياه الشرب في القضاء.
- 2011–2012بدء تبطين شط آل إبراهيمالوزارة: باشرت التبطين في 2012 · مصدر في الموارد المائية: بدأ العمل في 2011.
- 2013اكتمال التبطينبكلفة نحو 45 مليار دينار بحسب العمري، ونحو 54 مليارًا بحسب مصدر في الموارد المائية.
- 2014توقف استكمال المنظومةبعد الأزمة المالية والظروف التي شهدها العراق، توقف العمل على أجزاء مرتبطة، بينها شط الشطرة وشط الكسر.
- 2016الملف أمام النزاهةخضع ملف المشروع لتحقيق لدى النزاهة، بحسب مصدر في الموارد المائية. ويقول العمري إن تحقيقًا انتهى إلى أحكام بحق نحو 19 مهندسًا — بحسب روايته.
- تشرين الثاني/نوفمبر 2021«انقطاع تام لمياه الشرب»قائممقامية سيد دخيل تخاطب المحافظة وترفق مشاريع لمياه الشرب مجموعها قرابة 20 مليار دينار.
- 2024نموذج رياضي ومعالجة مؤجلةالوزارة تقترح رفع وإعادة تبطين المقطع بين الكيلومترين 26 و30 وتوافق عليه؛ كلفة نحو 700 مليون دينار لم تُموَّل.
- 7 تموز/يوليو 2026مجلس المحافظة: «أخطاء تصميمية وتنفيذية»كتاب إلى الوزارة يذكر سماكات تبطين بين 3 و6 سنتيمترات بدل 8 في مواقع كُشفت ميدانيًا، وفق المجلس.
- 2026مقترح أنبوب ناقلأنبوب بطول نحو 28 كيلومترًا لنقل الحصة المائية إلى شط آل إبراهيم بدل الاعتماد الكامل على المسار الحالي.
بعد ثلاث سنوات، انتقلت المشكلة من المناشدات إلى دراسة هندسية أكثر تحديدًا. ففي كتاب رسمي مؤرخ في 2024، قالت وزارة الموارد المائية إنها أعدت نموذجًا رياضيًا لشط آل إبراهيم، شمل المقطع بين الكيلومترين 26 و30، للتوصل إلى «المعالجة الدائمة». وبناءً على النتائج، اقترحت رفع وإعادة تبطين هذا المقطع مع إعادة ضبط انحدار قاع القناة، وقالت إن الوزارة وافقت على تنفيذ المقترح وإن التصاميم وجداول الكميات كانت قيد الإعداد.
مدير الموارد المائية في ذي قار هاشم الأسدي قال للتحقيق إن لجانًا فنية رصدت تفاوتًا في المناسيب على طول الشط، من بينها ارتفاعات موضعية بنحو 15 سنتيمترًا عند الكيلومتر 17 وما يصل إلى نحو 60 سنتيمترًا بين الكيلو مترين 26 و30. وأضاف أن معالجة المقطع الأخير قُدّرت كلفتها في 2024 بنحو 700 مليون دينار، لكن التمويل لم يتوفر حتى الآن، ويقول الأسدي إن الكلفة ستحتاج إلى إعادة تقدير عند المباشرة.

وبالتوازي، طُرحت حلول أخرى: تبطين شط الشطرة الذي يغذي شط آل إبراهيم بكلفة تقديرية قال الأسدي إنها تبلغ نحو 28 مليار دينار لمسافة 28 كيلومترًا، ومقترح ظهر في 2026 لإنشاء أنبوب ناقل بطول مماثل لنقل الحصة المائية إلى شط آل إبراهيم بدل الاعتماد بالكامل على المسار الحالي.
وتكشف المقترحات المتعاقبة أن ما طُرح منذ ذلك الحين ليس مشروعًا واحدًا يمكن جمع كلفه في فاتورة واحدة. فحزمة 2021 خُصصت لمياه الشرب، بينما تتعلق معالجة الـ700 مليون دينار بخفض وإعادة ضبط مقطع محدد من شط آل إبراهيم. أما الـ28 مليار دينار فهي كلفة تقديرية لمشروع منفصل لتبطين شط الشطرة، في حين ما يزال الأنبوب الناقل بطول 28 كيلومترًا مقترحًا آخر. تتابع هذه الحلول يوضح حجم الاعتماد على المعالجات المتوازية، لكنه لا يثبت أن جميعها جاءت لإصلاح خطأ واحد في مشروع التبطين.
تتابع هذه الحلول يوضح حجم الاعتماد على المعالجات المتوازية، لكنه لا يثبت أن جميعها جاءت لإصلاح خطأ واحد في مشروع التبطين.
وعلى مستوى الكلفة، يقول رئيس لجنة النزاهة في مجلس محافظة ذي قار عبد الباقي العمري إن كلفة مشروع تبطين شط آل إبراهيم بلغت نحو 45 مليار دينار. ويضيف أن الإنفاق اللاحق في قضاء سيد دخيل على محطات الضخ والنواظم والصيانة ومعالجات شح المياه تجاوز 200 مليار دينار. ولم يحصل التحقيق على كشف مالي مستقل يجمع هذه النفقات أو يثبت أن كاملها خُصص لمعالجة مشكلات مشروع التبطين نفسه، لذلك تظل هذه الأرقام منسوبة إلى تقدير العمري.
وفي مقابل تقدير العمري، قال مصدر في الموارد المائية للتحقيق إن الكلفة الإجمالية للمشروع بلغت نحو 54 مليار دينار، وإن العمل بدأ في 2011 واكتمل في 2013. وبحسب المصدر، أعدّ التصميم مركز الدراسات والتصاميم الهندسية في وزارة الموارد المائية، فيما توزّع التنفيذ بين شركة العراق التابعة للوزارة، ودائرة الصيانة والمشاريع، وشركات أهلية بسبب طول مسار المشروع. وأضاف المصدر أن ملف المشروع خضع لتحقيق لدى النزاهة في 2016. ولم يقدّم المصدر مستندات تحسم اختلاف الكلفة بين 45 و54 مليار دينار أو تفاصيل العقود المنفذة، لذلك يعرض التحقيق الرقمين منسوبين إلى مصدريهما.

كتاب مجلس المحافظة: «أخطاء تصميمية وتنفيذية»
في 7 تموز/يوليو 2026، رفع رئيس مجلس محافظة ذي قار عزة عودة لايذ كتابًا إلى وزارة الموارد المائية بشأن شط آل إبراهيم. يبدأ الكتاب بالقول إن قضاء سيد دخيل يعاني «شحة وعطش» بسبب المشروع، وإن الشط يتضمن، وفق تقييم المجلس، «أخطاء تصميمية وتنفيذية». وتكتسب الوثيقة أهمية إضافية لأن رئيس لجنة النزاهة في المجلس عبد الباقي العمري عمل سابقًا مهندسًا في قطاع الموارد المائية.
ويذهب كتاب المجلس إلى تفاصيل أكثر تحديدًا. ففي الجانب التصميمي، يعترض على اعتماد نظام «المراشنة» – أي توزيع المياه دوريًا بين القنوات والمناطق وفق جدول زمني – مع وقوع شط آل إبراهيم في ذنب منظومة يصعب، بحسب الكتاب، التحكم الكامل بتصاريف عمودها الرئيسي. كما يقول إن تصاريف النواظم المتفرعة من الشط لا تتناسب مع التصريف الداخل، وإن ناظم صدر شط آل إبراهيم رُفع بنحو نصف متر تحسبًا لتبطين شط الشطرة وشط الكسر، بينما لم يُستكمل تبطينهما. ويعترض كذلك على انحدار القناة وتشغيل بعض النواظم. وهذه كلها تقييمات فنية صادرة عن المجلس لم يجرِ التحقيق قياسات مستقلة للتحقق منها.
أما في الجانب التنفيذي، فيقدم الكتاب اتهامات أكثر مباشرة. فهو يقول إن السمك المحدد للتبطين في الكشوف يبلغ 8 سنتيمترات، بينما أظهرت مواقع كُشفت ميدانيًا – وفق المجلس – سماكات تراوحت بين 3 و6 سنتيمترات. كما يثير أسئلة عن فحوص الخرسانة والمواد المستخدمة، والالتزام بالمخططات، واستكمال النواظم الفرعية، وترك فواصل التمدد بين ألواح الخرسانة. لا يتبنى التحقيق هذه الاتهامات بوصفها نتائج مستقلة، لكنها تحدد بدقة أكبر ما يقصده المجلس بعبارة «أخطاء تنفيذية».

ويقول عبد الباقي العمري إنه سبق أن رفع مطالعة بشأن المشروع إلى قاضي النزاهة، وإن التحقيق الذي أعقبها انتهى، بحسب روايته، إلى أحكام مختلفة بحق نحو 19 مهندسًا ممن أشرفوا على تنفيذ المشروع، مع إتاحة إقامة دعاوى تعويض للمتضررين. ويتقاطع ذلك جزئيًا مع إفادة المصدر في الموارد المائية بخضوع الملف لتحقيق لدى النزاهة في 2016، لكن التحقيق لم يحصل على رقم الدعوى أو نسخ من الأحكام القضائية للتحقق مستقلًا من عدد المحكومين أو طبيعة الأحكام، لذلك تبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى العمري.
هذه البنود تمثل اتهامات وتقييمات صادرة عن مجلس المحافظة، وليست نتائج فحص مستقل أجراه التحقيق. لكنها تتقاطع مع وثيقة الوزارة لعام 2024 في نقطة أساسية: وجود مقطع بين الكيلومترين 26 و30 احتاج إلى إعادة ضبط القاع وإعادة التبطين، ومع رد الوزارة الذي يقر بأن فرق المناسيب فرض استخدام المضخات عند أحد مصادر التغذية.
في رده على التحقيق، لم يتبنَّ الناطق باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال توصيف مجلس المحافظة للمشروع. وأوضح أن شط آل إبراهيم جزء من منظومة واسعة تضم مناطق في سيد دخيل عانت الشح المائي، وأن استكمال الشطرة والكسر توقف بعد 2014 بسبب الأزمة المالية والظروف التي شهدها العراق، وأن التجاوزات على المجاري تقلل المياه المتاحة. كما أكد وجود ثلاثة مصادر لتغذية الشط، وأن الوزارة نصبت مضخات ووافقت على تخفيض قاع القناة في المقطع بين الكيلومترين 26 و30.
وفي إطار الموقف الرسمي الأوسع، أقر وزير الموارد المائية مثنى التميمي، في تصريح لمُعد التحقيق، بما وصفه بـ«الإهمال الواضح» في تبطين الأنهر في المحافظة وعدد من محافظات الجنوب، وقال إن انخفاض كفاءة الإرواء واعتماد مساحات واسعة على الجداول غير المبطنة يضغطان على الرصيد المائي للبلاد. وأضاف أن مشروعي «غراف 1» و«غراف 2» سيكونان في مقدمة المشروعات التي ستُنفذ إذا دخلت الاتفاقية العراقية-التركية حيز التطبيق، مشيرًا إلى أن الدراسات والمتطلبات اللازمة للمشروعين معدّة. وقال النائب الأول لمحافظ ذي قار ورئيس اللجنة الزراعية رزاق كشيش الغزي إن المحافظة طلبت أن تحصل على الحصة الأكبر من مشروعات الاتفاقية، وإن المرحلة الأولى المقترحة على نهر الغراف تشمل استصلاح أراضٍ وبناء نواظم حديثة وتبطين بعض الأنهر الرئيسية.
«الإهمال الواضح» في تبطين الأنهر في المحافظة وعدد من محافظات الجنوب— وزير الموارد المائية مثنى التميمي، بحسب وصفه
لكن رد الناطق باسم الوزارة، وكذلك تصريحات الوزير الأوسع بشأن مشروعات التبطين وتحديث منظومة الري، لم تتناول على نحو مباشر البنود التنفيذية الأكثر تحديدًا في كتاب مجلس المحافظة، ومنها الملاحظات المتعلقة بسماكات الكونكريت وفحوص المواد وعدم الالتزام بالمخطط.

11 ألف كيلومتر.. وشبكة تعمل تحت ضغط
تتجاوز المشكلة شط آل إبراهيم وحده. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، بلغ إجمالي أطوال الجداول والقنوات في ذي قار 11,175 كيلومترًا في التقرير المنشور عام 2020 والمستند إلى بيانات 2019، بما يعادل نحو 19.7% من إجمالي الشبكة في المحافظات المشمولة. وتُظهر البيانات نفسها 114 كيلومترًا مبطنًا من القنوات الرئيسية والفرعية في ذي قار آنذاك، أي قرابة 1% من إجمالي الأطوال، ما يعني أن الغالبية الساحقة من الشبكة ظلت ترابية.
ويقول الخبير في الشأن المائي والأهواري المهندس جاسم الأسدي إن كفاءة الري في العراق لا تتجاوز، بحسب تقديره، نحو 32%، ويقدّر أن الفواقد المائية في شبكات الري بمحافظات الجنوب قد تتجاوز 50%، بسبب الرشح والتشققات والتخسفات ونمو النباتات داخل مجاري القنوات. وهذه تقديرات عامة للخبير، وليست قياسات خاصة بشبكة ذي قار وحدها.
ومع ذلك، لا توفر البيانات المتاحة قياسًا منشورًا لكمية المياه التي تفقدها شبكة ذي قار بين رؤوس القنوات وذنائبها. لذلك لا يمكن تحويل تقدير جاسم الأسدي لكفاءة الري أو للفواقد في الجنوب إلى رقم خاص بالمحافظة أو بشط آل إبراهيم. ما تسمح به الأرقام هو وصف البنية: شبكة واسعة يغلب عليها الطابع الترابي وتعمل تحت ضغط مائي شديد، لا حساب كمية نهائية للهدر في رحلة المياه.
لكن محدودية التبطين لا تعني أن التبطين في ذاته حل كافٍ؛ فحالة شط آل إبراهيم تظهر أن كفاءة المشروع ترتبط أيضًا بالمناسيب، وترابط أجزاء المنظومة، وطريقة التنفيذ.
وتعمل هذه الشبكة داخل أزمة مائية وطنية أوسع. تقول وزارة الموارد المائية إن نحو 70% من واردات العراق المائية تأتي من خارج البلاد، وإن الهدر في الاستخدام الزراعي يصل إلى 60% على الأقل. كما يواجه العراق ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار وتكرار موجات الجفاف. هذه العوامل تفسر جزءًا من الضغط على ذي قار، لكنها لا تلغي الأسئلة المحلية التي تطرحها وثائق شط آل إبراهيم بشأن المناسيب والتنفيذ وتتابع الحلول.
وتكشف السلسلة السنوية لواردات دجلة والفرات وروافدهما عن تذبذب حاد في الموارد المتاحة للعراق؛ فبعد أن بلغت الواردات نحو 93.51 مليار متر مكعب في الموسم المائي 2018-2019، هبطت إلى 25.50 مليارًا في 2021-2022، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 50.86 مليار متر مكعب في 2023-2024. ويعكس ذلك تغير الموارد المائية على المستوى الوطني، لا حصة ذي قار وحدها.
وتظهر البيانات الزراعية الرسمية أثرًا أوسع للشح على المحافظة. ففي الموسم الشتوي 2021-2022 بلغت المساحات المزروعة في ذي قار نحو 225.5 ألف دونم من أصل 737.8 ألف دونم مصنفة أراضي صالحة للزراعة، ثم بلغت 222.3 ألف دونم في 2022-2023، قبل أن تنخفض إلى 122 ألف دونم في 2023-2024؛ أي تراجع بنحو 46% مقارنة بموسم 2021-2022. وفي سياق مختلف، قال مدير زراعة ذي قار عواد العمري للتحقيق إن المساحة المقررة للموسم الصيفي 2026 تبلغ 100,739 دونمًا.
وتكشف الجداول الزراعية أيضًا مدى اعتماد الزراعة في ذي قار على مياه الأنهار. ففي موسم 2021-2022، كانت 225,235 دونمًا من أصل 225,503 دونمات مزروعة تُروى من الأنهار، وفي الموسم التالي 222 ألف دونم من أصل 222,264. أما بيانات 2023-2024 فتسجل كامل المساحة المزروعة البالغة 122 ألف دونم ضمن الري النهري. هذا الاعتماد شبه الكامل يجعل تغير الإطلاقات ووصول المياه عبر الشبكة عاملًا مباشرًا في حجم المساحة التي يمكن إدخالها إلى الموسم الزراعي.
ولا يمكن نسبة هذا التراجع كله إلى شط آل إبراهيم؛ فهو يعكس أزمة المياه على مستوى المحافظة. وينطبق الأمر نفسه على النزوح. فبحسب معاون مدير دائرة الهجرة والمهجرين في ذي قار حازم عبد الستار، نزحت 10,550 عائلة تضم 44,741 فردًا وفق الأرقام المسجلة، من مناطق في المحافظة بين 2019 و2024 بسبب الجفاف والتغيرات المناخية، بينهم 1,254 نازحًا في قضاء سيد دخيل. ويشير المسؤول، في حديثه للتحقيق، إلى أن عدد الأفراد قد يتجاوز 50 ألفًا عند احتساب متوسط حجم الأسرة العراقية، وهو تقدير حسابي وليس رقمًا مسجلًا رسميًا. أما القرى الواقعة على شط آل إبراهيم، فتقدم شهادة المختار تقديرًا محليًا أكثر التصاقًا بالمنطقة، إذ يقول إن نحو 150 إلى 200 عائلة غادرت من 15 قرية.

في العبودة، لا تبدو هذه الأرقام مجرد مؤشرات على ورق. أرض أبو علي متروكة، وشراء الماء صار جزءًا من نفقات البيت. وبين كتب المعالجة والمضخات والدراسات ومقترحات إعادة التبطين والأنابيب الناقلة، يبقى السؤال بالنسبة إلى سكان ذنائب الشط: متى تصل المياه بكمية تسمح لهم بالبقاء؟
أُنجز هذا التحقيق بدعم من منصة عابر, ضمن مشروع صحافة البيانات في العراق «إنفو العراق».
- كتب رسمية صادرة عن قائممقامية قضاء سيد دخيل (تشرين الثاني/نوفمبر 2021) ووزارة الموارد المائية (2024) ومجلس محافظة ذي قار (7 تموز/يوليو 2026).
- رد وزارة الموارد المائية على أسئلة التحقيق، وتصريحات الناطق باسمها خالد شمال، ووزير الموارد المائية مثنى التميمي.
- الجهاز المركزي للإحصاء العراقي — تقرير الموارد المائية، جدول أطوال الجداول والقنوات حسب أصنافها على مستوى المحافظات (2020، بيانات 2019).
- وزارة الموارد المائية العراقية، دائرة التخطيط والمتابعة، قسم السياسات البيئية؛ الإحصاءات البيئية العراقية — واردات دجلة والفرات وروافدهما.
- وزارة الزراعة العراقية، دائرة التخطيط والمتابعة، قسم الإحصاء — بيانات المواسم الشتوية 2021–2022 إلى 2023–2024.
- دائرة الهجرة والمهجرين في ذي قار — أعداد النازحين بسبب الجفاف والتغيرات المناخية (2019–2024).
- مقابلات: أبو علي، أبو كاظم عبد الله شعيبث، المختار عبد الأمير ثامر، هاشم الأسدي، جاسم الأسدي، عبد الباقي العمري، رزاق كشيش الغزي، عواد العمري، حازم عبد الستار، ومصدر في الموارد المائية.







