«موازنة عام 2027».. 1- الاعتماد على إيرادات نفطية

د بلال الخليفة | أكاديمي في النفط والطاقة

تأتي موازنة العراق لعام 2027 في مرحلة اقتصادية ومالية حساسة، تتطلب إعادة النظر في طبيعة إدارة الموارد العامة، ولا سيما أن الاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل نفقات الدولة. فعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي والاقتصادي في عام 2003، لم يتمكن العراق من بناء قاعدة إيرادات متنوعة قادرة على تقليل تأثير تقلبات أسعار النفط أو توفير موارد مالية مستقرة لتمويل الإنفاق العام.

وتكشف الأرقام الأولية المتداولة لموازنة عام 2027 عن استمرار هذه المشكلة؛ إذ تبلغ الإيرادات العامة المقدرة نحو 174.234 تريليون دينار، منها 144.720 تريليون دينار إيرادات نفطية، مقابل 29.514 تريليون دينار إيرادات غير نفطية. وبذلك تشكل الإيرادات النفطية نحو 83.1% من مجموع الإيرادات، في حين لا تتجاوز مساهمة الإيرادات غير النفطية 16.9%.

هذه النسب لا تمثل مجرد أرقام في جدول الموازنة، بل تعكس طبيعة الاقتصاد العراقي، ومدى ارتباط قدرة الدولة على الإنفاق والاستثمار والتوظيف والتوسع في الخدمات العامة بسوق النفط العالمي.

أولاً: النفط ما زال المصدر الرئيسي لتمويل الدولة

توضح تقديرات موازنة 2027 أن النفط سيبقى المصدر الأساسي لتمويل الخزينة العامة، حيث تبلغ الإيرادات النفطية المقدرة 144.720 تريليون دينار، مقابل 29.514 تريليون دينار من الإيرادات غير النفطية.

وتعني هذه المعادلة أن أكثر من أربعة أخماس موارد الدولة تأتي من قطاع واحد، وهو قطاع يتأثر بعوامل خارجية لا تستطيع الحكومة العراقية التحكم بها، مثل الطلب العالمي، وقرارات الدول المنتجة، والتوترات الجيوسياسية، ومستويات المخزون العالمي، والتحولات في أسواق الطاقة.
وتزداد خطورة هذا الاعتماد عند الأخذ بنظر الاعتبار أن الاقتصاد العراقي لا يقتصر اعتماده على النفط في جانب الإيرادات العامة فحسب، بل يمتد إلى تمويل الاستيرادات وتوفير العملة الأجنبية ودعم الاستقرار النقدي وتمويل النشاط الاقتصادي الحكومي والخاص.

وبالتالي، فإن أي انخفاض كبير في أسعار النفط أو كميات التصدير يمكن أن ينتقل أثره بسرعة إلى الموازنة العامة، ثم إلى الإنفاق الحكومي والسيولة المحلية والطلب الاستهلاكي والنشاط الاقتصادي.

ثانياً: الإيرادات غير النفطية

إن بلوغ الإيرادات غير النفطية 29.514 تريليون دينار في التقديرات الأولية لموازنة 2027 قد يبدو رقماً مهماً من الناحية المطلقة، لكنه يظل محدوداً عند مقارنته بإجمالي الإيرادات العامة، إذ لا تتجاوز مساهمته 16.9%.

ولا تكمن المشكلة بالضرورة في ضعف الضرائب وحدها، وإنما في محدودية القاعدة الإنتاجية التي يمكن أن تُفرض عليها الضرائب والرسوم بصورة عادلة ومستدامة. فكلما توسع الإنتاج المحلي، ونمت الشركات الخاصة، وزادت فرص العمل المنظمة، واتسعت الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية، ازدادت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات دون الحاجة إلى زيادة الأعباء على المواطنين.

ومن هنا، فإن تنمية الإيرادات غير النفطية ينبغي ألا تتحول إلى مجرد زيادة في الضرائب والرسوم والغرامات، لأن ذلك قد يؤدي إلى تحميل المواطن والقطاع الخاص أعباء إضافية دون معالجة الأسباب الهيكلية لضعف الإيرادات.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتوسيع النشاط الاقتصادي المنتج، ومكافحة التهرب الضريبي، وتحديث الإدارة الضريبية والكمركية، وضبط المنافذ الحدودية، وإعادة تقييم أملاك الدولة وأصولها، وتحسين تحصيل أجور الخدمات، ومكافحة الفساد والهدر في الإيرادات العامة.

كما يتطلب الأمر الانتقال من الاعتماد على الرسوم التقليدية إلى بناء اقتصاد منتج يحقق إيرادات ضريبية نتيجة توسع الإنتاج والاستثمار والتشغيل.