خاص – إنماز نيوز
في خضم المشهد السياسي العراقي المليء بالتقلبات، نفت السفارة الأميركية في بغداد الأنباء التي تحدثت عن انسحاب قواتها من العاصمة غداً السبت، مؤكدة أن لا خطط لمغادرة البلاد في هذا التوقيت. التصريح أعاد إلى الواجهة ملفاً شائكاً لم يهدأ منذ عام 2003: وجود القوات الأجنبية في العراق.
بينما تؤكد الولايات المتحدة أن وجودها جاء بطلب رسمي من الحكومات العراقية المتعاقبة، وتحت مظلة اتفاقيات أمنية لمحاربة الإرهاب، تصر أوساط سياسية وشعبية واسعة على وصفه بـ”الاحتلال”، وتطالب بإنهاء ما تعتبره انتهاكاً للسيادة الوطنية. هكذا يجد العراق نفسه مجدداً أمام معادلة معقدة تجمع بين التوازنات الداخلية والضغوط الإقليمية والحسابات الدولية.
جذور الأزمة: من الغزو إلى الشراكة الأمنية
منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين، تحول الوجود العسكري الأميركي إلى موضوع خلاف دائم. فبينما رحّب البعض بالتدخل باعتباره نهايةً لحكم استبدادي، اعتبره آخرون احتلالاً سافراً ضرب استقلال البلاد في الصميم.
ومع مرور السنوات، تغيرت طبيعة الوجود الأميركي. ففي عام 2011 أعلنت واشنطن سحب معظم قواتها، لكنها عادت عام 2014 بدعوة من الحكومة العراقية في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”. منذ ذلك الحين، بقي الوجود الأميركي محصوراً – رسمياً – في مهام استشارية وتدريبية، لكن شكوكاً كبيرة ظلت تحوم حول حقيقة أدواره على الأرض.
السفارة الأميركية: لا انسحاب في الأفق
النفي الأميركي الأخير، وإن جاء لتوضيح شائعة محددة، إلا أنه يحمل دلالات أوسع. فواشنطن تُظهر من خلاله أنها ليست في وارد الخروج المفاجئ من العراق، وأن أي انسحاب – إن حدث – سيكون خاضعاً لترتيبات معقدة وليس لجدول زمني عشوائي.
تصر السفارة على أن وجود قواتها يتم بالتنسيق مع بغداد، وبما يخدم “المصالح المشتركة” في مجال مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار. لكن هذه الرواية الرسمية تصطدم مع أصوات عراقية تعتبر أن الوجود الأميركي لم يعد له مبرر عملي بعد هزيمة “داعش” عسكرياً.
أوساط سياسية: الاحتلال مستمر
في المقابل، تبرز أصوات من قوى سياسية وحركات مسلحة ترفض استمرار أي وجود أميركي في العراق. هذه الأطراف تصف القوات الأميركية بـ”قوات احتلال”، وتعتبر أن بقائها يشكل انتقاصاً من السيادة الوطنية.
بعض الكتل البرلمانية تذهب أبعد من ذلك، إذ تطالب بتشريع قانون يلزم الحكومة بجدولة انسحاب كامل للقوات الأجنبية، معتبرة أن “الحكومة العراقية قادرة على إدارة ملفها الأمني دون وصاية خارجية”.
وفي الشارع العراقي، يلقى هذا الخطاب صدى واسعاً، خاصة لدى فئات متضررة من تداعيات الاحتلال وما تبعه من عنف وانقسام.
معضلة الحكومة العراقية: بين المطرقة والسندان
الحكومة العراقية تجد نفسها أمام موقف بالغ الصعوبة. فمن جهة، تواجه ضغطاً سياسياً وشعبياً يطالبها بالتحرك لإنهاء الوجود الأميركي. ومن جهة أخرى، تدرك أن الانسحاب الأميركي السريع قد يُحدث فراغاً أمنياً تستفيد منه التنظيمات المتطرفة أو القوى الإقليمية المتنافسة على الساحة العراقية.
إضافة إلى ذلك، فإن العلاقة مع واشنطن لا تقتصر على الشق العسكري؛ بل تمتد إلى ملفات اقتصادية ومالية، مثل الدولار والنفط والعقوبات، ما يجعل قرار المواجهة مع الولايات المتحدة مكلفاً ومعقداً في آن واحد.
معادلات إقليمية: بين طهران وواشنطن
لا يمكن قراءة ملف القوات الأميركية بمعزل عن التوازنات الإقليمية. فالعراق يشكل ساحة تنافس مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. القوى المقربة من طهران تضغط لإخراج الأميركيين بأسرع وقت، فيما ترى أطراف أخرى أن الوجود الأميركي – رغم تحفظاتها – يشكل توازناً ضرورياً يمنع العراق من الوقوع تحت النفوذ الإيراني المطلق.
هذا التنازع يعكس واقعاً مريراً: العراق يتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بالوكالة، حيث تتقاطع الأجندات الدولية على حساب قراره السيادي.
البعد الأمني: هل انتهى خطر “داعش”؟
من الحجج الأساسية التي تقدمها واشنطن لتبرير بقاء قواتها هي استمرار خطر “داعش”، خاصة في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا. ورغم انهيار التنظيم عسكرياً، ما تزال خلاياه النائمة تنفذ هجمات متفرقة، ما يجعل الملف الأمني هشاً وقابلاً للانفجار.
لكن خصوم الوجود الأميركي يردون بأن الجيش العراقي والحشد الشعبي أصبحا قادرين على إدارة الملف الأمني، وأن بقاء القوات الأجنبية قد يشكل ذريعة لاستمرار الفوضى بدلاً من إنهائها.
تداعيات اقتصادية وسياسية
إلى جانب البعد الأمني، يحمل الملف أبعاداً اقتصادية حساسة. فالعراق يعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في مجال إدارة عائداته النفطية والتحويلات المالية عبر البنك الفدرالي الأميركي. أي توتر مع واشنطن قد ينعكس على الاقتصاد مباشرة، كما حدث عندما فرضت وزارة الخزانة الأميركية قيوداً على بعض البنوك العراقية مؤخراً.
سياسياً، فإن استمرار الانقسام الداخلي حول هذا الموضوع يُضعف قدرة بغداد على صياغة موقف موحد، ويُظهر هشاشة النظام السياسي في مواجهة الملفات السيادية الكبرى.
هل من مخرج للأزمة؟
أمام هذا التعقيد، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو بقاء الوضع على ما هو عليه: استمرار القوات الأميركية في قواعدها، مع تخفيض تدريجي لأعدادها، وتقديمه على أنه “انسحاب تدريجي” يرضي الرأي العام المحلي، دون إحداث فراغ أمني.
لكن هذا الحل المؤقت لا يلغي أصل الأزمة: العراق بحاجة إلى رؤية استراتيجية تحدد بدقة طبيعة علاقاته الخارجية، بعيداً عن التجاذبات الطائفية والحزبية. بدون ذلك، سيظل ملف القوات الأميركية ورقة ضغط تتجدد في كل أزمة سياسية أو أمنية.
سيادة مؤجلة
النفي الأميركي الأخير يكشف حقيقة واضحة: الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب قريباً، والعراق لا يملك في الوقت الراهن أدوات كافية لفرض هذا الانسحاب. وبينما تبقى السيادة شعاراً يتردد في الخطب والبيانات، يظل تطبيقها على الأرض مؤجلاً إلى حين قدرة العراقيين على بناء موقف موحد وإدارة مصالحهم بعيداً عن ضغوط الخارج.
الجدل حول القوات الأميركية ليس مجرد قضية أمنية؛ إنه انعكاس لصراع أعمق حول هوية العراق ومستقبله: هل هو بلد قادر على فرض استقلاله الكامل، أم ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى؟
الإجابة، كما يبدو، لن تحسمها التصريحات الأميركية أو المطالبات السياسية فحسب، بل مسار طويل من بناء الدولة ومؤسساتها، وهو الطريق الذي ما يزال أمام العراقيين فيه شوط كبير.

