د.مثنى الطالقاني – في خضم ضجيج المبادرات الحكومية المتسارعة يطل علينا كل يوم طرح مصرفي جديد محمل بالوعود ومثقل بالتعقيد.
مبادرات تُعلن عبر قنوات إلكترونية تستهدف بضعة آلاف من المواطنين فيما يتقدم لها الملايين لتغلق خلال دقائق وكأنها سباق سرعة لا حق فيه لمن لا يجيد الركض في المضمار الرقمي.
ما يحدث اليوم لا يمكن وصفه إلا بأنه نهج تضليلي يراد منه إشغال الناس عن حقيقة أكبر… حقيقة تتعلق بما يجري خلف الكواليس في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة بعد المصادقة الرسمية المرتقبة على نتائج الانتخابات النهائية.
المفارقة الساخرة والمبكية في آنٍ واحد حدثت قبل أيام حين أطلق مصرف الرافدين عبر خدمة Digital Zone في تطبيق سوبر كي عرضاً مغرياً يقضي ببيع كارت تعبئة رصيد الموبايل فئة 25 ألف دينار بألفي دينار فقط! مشهد غير منطقي أشعل الفضول عند ملايين المستخدمين ليكون النتيجة توقف التطبيق بالكامل وعدم استفادة أي مواطن من العرض.
بدا الأمر وكأنه مجرد “بالون اختبار” أو وسيلة لجذب الانتباه دون أي أثر فعلي على أرض الواقع.
واليوم يُعاد السيناريو ذاته بأسلوب مختلف: المصرف العراقي يعلن إطلاق رابط التقديم على قرض الـ100 مليون دينار للسكن ضمن ما يُسمى “مبادرة عقارية” لتُفتح الاستمارة لخمس دقائق فقط قبل أن تُغلق بطريقة توحي بأن الشفافية آخر ما يمكن الحديث عنه في هذا المشهد.
ملايين المواطنين سيحاولون التقديم ولكن من سيفوز؟ ومن سيمنح له هذا الحق؟ ولماذا تُدار هذه المبادرات دائماً بمنطق “الفرصة الذهبية اللحظية” بدلاً من التخطيط الشامل والعادل؟
إن هذا الأسلوب في إدارة الملفات المالية والاجتماعية لا يمكن فصله عن الضباب السياسي الذي يخيم على الأجواء العراقية، فكلما اقتربت البلاد من استحقاق سياسي كبير ظهرت مبادرات سريعة مبهمة، ناقصة الشروط، قصيرة العمر، وكأنها خيوط دخان تُستخدم للتغطية على ما يجري من مناكفات سياسية ومفاوضات حكومية معقدة لن يشاهدها المواطن لكنه سيدفع ثمن نتائجها حتماً.
ما بين الرافدين ديجتال زون والقرض العقاري، لا يبدو أن هناك رسالة إصلاح حقيقية قدر ما هناك “محتوى حكومي هابط” يعتمد “الشو والطشة الإعلامية” ما يعزز انعدام الثقة ويُشعر المواطن أن دوره لا يعدو عن كونه متفرجاً إلكترونياً في عرض لا يمس حياته إلا بمزيد من الإحباط.
إذا كانت الحكومة جادة في تمكين المواطنين فلتطلق المبادرات بشفافية كاملة وبآليات واضحة تدعم الحق في الوصول لا الحق في الحظ.
غير ذلك، ستبقى هذه التطبيقات وصفحات الإعلانات مجرد ستار إلكتروني يُدار من خلفه مشهد أكبر أكثر ضبابية وأبعد عن المواطن من زر تقديم يُغلق بعد ثوانٍ.
المواطن لا يريد دقائق…
المواطن يريد حقاً واضحاً واستحقاقاً لا يخضع لسرعة الإنترنت.

