حين تحارب العقول وتصبح الواسطة أعلى من الدكتوراه… لماذا يقصى الباحث ويُقدم الجاهل وتبقى الرسائل حبيسة الرفوف؟

أسراء الجوراني – لم يعد خافيا على أحد حجم الجهد الذي يبذله طلبة الدراسات العليا في إعداد رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه.

سنوات من الدراسة، والسهر، والبحث الميداني، وجمع البيانات، والتحليل العلمي، تُختتم بنتائج وتوصيات قادرة فعلا على إحداث فارق حقيقي في مؤسسات الدولة وسوق العمل والمجتمع عموما. هذه البحوث لم تُكتب للترف العلمي، بل وُضعت لتشخص أوجاع الواقع وتقدم حلولا عملية جاهزة للتطبيق… لو وجد من يريد أن يطبّق.

فكم من رسالة ناقشت تطوير التعليم وأخرى عالجت أزمات الإدارة، وثالثة وضعت خططا للنهوض بالاقتصاد أو الإعلام أو الصحة أو البيئة. وكم من باحث ربط علمه باحتياجات السوق، واضعا خدمة بلده هدفا قبل شهادته. لكن، ورغم هذا الزخم العلمي الهائل، يبقى السؤال الأكثر إيلاما: لماذا لا نرى أثر هذه الدراسات على أرض الواقع؟

الجواب صادم… لأن المشكلة لا تكمن في ضعف النتاج الأكاديمي، بل في ضعف — بل عجز — الدولة ومؤسساتها عن احتضان هذا النتاج. فلا توجد منظومة حقيقية تتبنى مخرجات البحث العلمي، ولا إرادة فعلية لتحويل التوصيات إلى خطط تنفيذ. وهكذا تُدفن الرسائل في الأدراج، وتُرص الأطروحات فوق الرفوف، في مشهد يُجسد إهدارا ممنهجا للعقول.
الأخطر أن بعض المؤسسات لا تدار بعقل الدولة، بل بعقل الحزب. تدار بأشخاص يفتقرون إلى الخبرة والمهنية، فصار معيار الاختيار الولاء لا الكفاءة. وفي هكذا بيئة، لا يُنظر إلى أصحاب الشهادات العليا كقيمة مضافة، بل كخطر محتمل يهدد مواقع المتصدرين بلا استحقاق.

فيُحاصرون، ويُهمشون، وتُوضع أمامهم العراقيل كي لا يثبتوا ما يمتلكون من قدرة.

ولا يمكن تجاهل أخطر أوجه الخلل: المحسوبية والمنسوبية الحزبية.
حيث لم تعد الفرص تُمنح لمن يستحق، بل لمن ينتمي. ولم تعد المناصب تُسلم لأهل الاختصاص، بل لأهل الثقة الحزبية. تُفتح الأبواب بالواسطة، وتُغلق بوجه الشهادة. ويُقدم غير المؤهل… فقط لأنه محسوب على جهة نافذة.

بهذه المعادلة المختلة، تتحول المؤسسات إلى إقطاعيات نفوذ، لا ميادين عمل. ويصبح صاحب الدكتوراه واقفا على الهامش، فيما يجلس غير المختص على كرسي القرار. أي عبث إداري هذا؟ وأي استهتار بمستقبل بلد؟

ومن أكثر التُهم ظلما واستخفافا التي تُرمى بوجه حملة الشهادات العليا، مقولة إن الموظف يدرس فقط ليزيد راتبه الشهري. وكأن سنوات البحث والسهر والتضحيات تختزل ببضعة دنانير!

من قال إن من يطلب العلم يطلبه لأجل العلاوة فقط؟ وهل تُقاس قيمة المعرفة بزيادة راتب؟

الحقيقة التي يتعمّد البعض تجاهلها، أن الشهادة العليا مشروع تطوير، لا مشروع راتب. وأن الباحث حين يدرس، إنما يستثمر في عقله ليخدم مؤسسته وبلده… لا ليُتهم بأنه يسعى لمكسب مالي ضيق.

لكن هذه التهمة تُستخدم لتقليل قيمة الإنجاز العلمي، وتبرير تهميش أصحابه، في محاولة مكشوفة لإفراغ الشهادة من هيبتها… والإبقاء على واقعٍ لا مكان فيه للكفاءة.

إن سيطرة المحسوبية لا تسرق الفرص فقط، بل تسرق إيمان الباحث بقيمة علمه. فما جدوى رسالة عالجت أزمة وطن، إن كان مصيرها مرتبطًا بموافقة حزب؟ وما قيمة أطروحة وضعت حلولًا استراتيجية، إن كان تنفيذها يُقاس بحجم العلاقات لا بحجم الحاجة؟

محاربة الكفاءات لا تكون دائما صاخبة… بل غالبا صامتة:
تجميد مقترحات، إهمال توصيات، إقصاء مختصين، وتمرير قرارات بيد غير المؤهلين. وهكذا يُغتال الابتكار إداريا، ويُقتل الطموح وظيفيا، حتى يصل الباحث إلى قناعة مريرة: أن علمه غير مرغوب به.

والنتيجة؟ ليست خسارة شخص… بل خسارة وطن.
فعندما تُهمش العقول وتُقدم المحسوبيات، تتعطل التنمية، ويتجمّد الإصلاح، وتبقى الأزمات تتكرر… لا لغياب الحلول، بل لغياب من يجرؤ على تطبيقها.

إن النهوض لا يصنعه الهتاف، بل القرار. ولا تبنيه الأحزاب، بل الكفاءات. فالدول التي احترمت علم باحثيها جعلت من جامعاتها مصانع سياسات، بينما نحن ما زلنا نجعلها مخازن رسائل.

ليست أزمة رسائل وأطروحات… بل أزمة منظومة تُدار بالمحاصصة قبل المهنية.
العقول موجودة، والحلول مكتوبة، والجهد مبذول…
لكن ما ينقص هو العدالة… وإرادة تُنقذ العلم من السجن… وتُطلقه إلى الواقع.