إنماز نيوز – في توقيت شديد الحساسية، وبعد أيام ثقيلة على الشارع العراقي إثر الأحداث الدموية في محافظة ميسان، يخرج السيد مقتدى الصدر برسالة تحمل في ظاهرها بعدًا تنظيميًا، لكنها في عمقها قراءة سياسية وأمنية لمشهد مضطرب، حين يمنح “فرصة العودة” لمن ترك التيار الصدري والتحق بفصائل مسلحة أخرى. هذه الرسالة لا يمكن فصلها عن سياقها الزمني، ولا عن طبيعة الصراع داخل البيت الشيعي، ولا عن الدم الذي سال في شوارع ميسان بين سرايا السلام وعصائب أهل الحق.
الخبر، للوهلة الأولى، يبدو وكأنه دعوة تصالحية داخلية، أو محاولة لاحتواء الانشقاقات التي حصلت خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد قرارات الانسحاب والعودة المتكررة للتيار الصدري من العملية السياسية. لكن القراءة التحليلية تفرض سؤالًا أعمق: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة؟ ولماذا بعد ميسان تحديدًا؟
ما جرى في ميسان لم يكن مجرد “إشكال أمني” عابر، بل كان مؤشرًا خطيرًا على هشاشة التوازن داخل الفصائل الشيعية المسلحة، وعلى قابلية الخلافات السياسية والعقائدية أن تتحول سريعًا إلى مواجهة مسلحة، يدفع ثمنها عناصر من الطرفين، وأحيانًا مدنيون لا ناقة لهم ولا جمل. وفي هذا السياق، تأتي رسالة الصدر كخطوة استباقية لإعادة رسم خطوط السيطرة والولاء داخل قاعدته الاجتماعية والتنظيمية.
منح “فرصة العودة” ليس فعل تسامح بقدر ما هو أداة سياسية. الصدر يدرك أن جزءًا من القوة التي تواجهه اليوم لم تكن يومًا بعيدة عنه؛ كثير من عناصر الفصائل المنافسة خرجوا أصلًا من رحم التيار الصدري، أو تأثروا بخطابه في مرحلة ما. لذلك، فإن فتح الباب للعودة يعني سحب شرعية الخصم من الداخل، وتجفيف أحد أهم مصادر قوته البشرية والمعنوية.
في الوقت ذاته، تحمل الرسالة بُعدًا أخلاقيًا يحاول الصدر من خلاله إعادة تثبيت صورته كزعيم “وطني” يرفض الاقتتال الداخلي، خصوصًا بعد أن ارتبط اسم التيار، شئنا أم أبينا، بأحداث عنف متكررة. هنا يحاول الصدر أن يقول لجمهوره وللرأي العام: إن الدم الشيعي على الشيعي خط أحمر، وإن من أخطأ الطريق يمكنه الرجوع، شرط التخلي عن السلاح المنفلت والولاءات المتعددة.
لكن هذه الدعوة لا تخلو من مخاطرة. فالفصائل التي استقطبت منشقين عن التيار لن تنظر إلى الرسالة بوصفها شأنًا داخليًا صدريًا، بل كتحرك سياسي يهدد توازن القوى. وقد تُفسَّر على أنها محاولة لإضعاف خصومه بعد صدام مباشر، لا كمبادرة تهدئة. وهنا يكمن الخطر: أن تتحول الدعوة، بدل أن تكون جسرًا، إلى سبب جديد للتوتر.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة الخطوة بوصفها رسالة إلى الدولة أيضًا. الصدر، الذي لطالما رفع شعار “حصر السلاح بيد الدولة”، يلمّح مجددًا إلى أن مشكلة السلاح لا تُحل بالمواجهة فقط، بل بإعادة دمج العناصر ضمن أطر منضبطة، حتى لو كان ذلك عبر بوابة التيار نفسه. كأنه يقول: الحل ليس بالرصاص وحده، بل بإعادة تعريف الانتماء.
إن منح فرصة العودة بعد أحداث ميسان ليس تفصيلًا عابرًا، بل موقف سياسي محسوب بدقة. هو محاولة لاحتواء النزف الداخلي، وإعادة الإمساك بالخيوط قبل أن تنفلت أكثر، ورسالة متعددة الاتجاهات: للمنشقين، للفصائل، للدولة، وللشارع الذي تعب من مشاهد الدم. يبقى السؤال المفتوح: هل تُترجم هذه الرسالة إلى تهدئة حقيقية، أم ستكون فصلًا جديدًا في صراع لم تُكتب نهايته بعد؟

