عاصم جهاد
في ظل الاضطرابات المتصاعدة التي تضرب حركة تصدير النفط من الشمال عبر جيهان، ومن الجنوب عبر موانئ البصرة، يجد العراق نفسه أمام واحد من أخطر السيناريوهات الاقتصادية والطاقوية في تاريخه الحديث، مع اشتداد التوترات في منطقة الخليج وتنامي المخاوف من تداعيات غلق مضيق هرمز.
فالعراق ينتج 4.273 مليون برميل يوميًا — بحسب اتفاق أوبك بلس — لكنه لا يمتلك سعات خزنية كافية، ولا منافذ تصديرية بديلة، ولا خيارات عملية حين يتوقف التصدير أو يتعطّل مساره. ومع تطورات الأحداث وتراجع حركة الناقلات النفطية في المياه الإقليمية، يقترب العراق من مرحلة حرجة يصبح فيها استمرار الإنتاج مستحيلًا، ومع امتلاء الخزانات خلال أيام قليلة، ستضطر وزارة النفط إلى إطفاء الآبار تدريجيًا والإبقاء فقط على إنتاج يتراوح بين 800 ألف إلى مليون برميل يوميًا — أو أكثر بقليل — لتغذية المصافي وتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية.
بهذا الخفض القسري يفقد العراق أكثر من 3.2 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل 260–295 مليون دولار يوميًا وفق الأسعار الحالية للنفط في الأسواق العالمية. ومع توقف هذا الشريان المالي الحيوي، تتعطّل قدرة الدولة على الاستيراد والإنفاق، ويتراجع رصيدها النقدي، وتتسع دائرة الضغوط على الموازنة وعلى استقرار السوق.
أما محاولة رفع الطاقة التكريرية للمصافي، فليست حلًا فعليًا، لأن البنية التحتية مثقلة بمشاكل فنية ولوجستية، فشبكات الأنابيب محدودة ومتعثرة، وسعات الخزن محدودة لا تحتمل زيادات كبيرة في الخام أو المشتقات. ولهذا ستعمل المصافي بطاقة مرتبكة، فيما يستعد السوق لنقص واضح في البنزين والكاز والغاز السائل.
ويتفاقم المشهد مع انخفاض إنتاج الغاز المصاحب — الذي يغطي جزءًا رئيسًا من حاجة محطات الكهرباء — بنسبة قد تصل إلى 40–60% نتيجة خفض الإنتاج. ويأتي ذلك في وقت يتراجع فيه تجهيز الغاز الإيراني، وقد يتوقف كليًا مع تطورات الأحداث، ما يضع منظومة الكهرباء تحت ضغط إضافي قد ينعكس مباشرة على ساعات التجهيز.
ومع شحّ الغاز، ستتجه وزارة النفط إلى زيادة تزويد المحطات بالوقود البديل مثل الكاز وزيت الوقود والنفط الخام، لكن هذه البدائل ستكون محدودة أيضًا، وخصوصًا الكاز، ما يعني تراجعًا في ساعات التجهيز الوطني، فضلًا عن أنّ “المولدات الأهلية” لن تكون بمنأى عن نقص حاد في وقودها، الأمر الذي يفاقم أزمة الكهرباء داخل المدن والأحياء.
إن غلق مضيق هرمز وتعطل تصدير النفط لا يقود إلى أزمة نفط فحسب… بل إلى سلسلة أزمات متداخلة تمتد من الإنتاج والتكرير والغاز إلى الكهرباء والمالية العامة، وتضع العراق أمام اختبار غير مسبوق لمرونة منظومته الاقتصادية وقدرته على التعامل مع صدمات الطاقة !

