د. أحمد علي الكناني
لم يعد ميزان القوة في الشرق الأوسط يُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات المقاتلة، ولا حتى بحجم الجيوش التقليدية. المعادلة تغيّرت جذريًا. اليوم، القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تعطيل العالم شلّ اقتصاده، إرباك أسواقه، وتهديد شرايينه الحيوية في لحظات محسوبة.
هذه ليست مبالغة بل توصيف دقيق لتحول استراتيجي عميق. فالعالم المعاصر مترابط إلى درجة أن ضربة محدودة في موقع حساس يمكن أن تُحدث صدىً عالميًا. منشآت الطاقة، الممرات البحرية، الكابلات البحرية للإنترنت، وحتى سلاسل الإمداد—كلها أصبحت أهدافًا ذات تأثير مضاعف، يتجاوز حدود الجغرافيا إلى الاقتصاد والسياسة.
في قلب هذه المعادلة، يبرز الشرق الأوسط كمنطقة حاسمة. ليس فقط لأنه يملك جزءًا كبيرًا من احتياطات الطاقة العالمية، بل لأنه أيضًا عقدة جغرافية تربط بين قارات وأسواق. مضيق هرمز، البحر الأحمر، شرق المتوسط كلها نقاط يمكن أن يتحول أي اضطراب فيها إلى أزمة عالمية خلال ساعات.
ما تغيّر فعليًا هو طبيعة الأدوات. لم تعد القوة حكرًا على الدول الكبرى أو الجيوش التقليدية. اليوم، يمكن لجهات أصغر دولًا كانت أو حتى فاعلين غير تقليديين أن تمتلك أدوات تعطيل فعالة،صواريخ دقيقة، طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة، هجمات سيبرانية، أو حتى عمليات محدودة تستهدف بنية تحتية حساسة. هذه الأدوات لا تحتاج إلى تفوق شامل، بل إلى دقة في التوقيت واختيار الهدف.
ولعل أخطر ما في هذا التحول هو أنه خفّض عتبة التأثير. في السابق كان إحداث تغيير استراتيجي يتطلب حربًا واسعة. أما اليوم فقد تكفي ضربة محسوبة لتعطيل جزء من إنتاج النفط أو تهديد مسار ملاحي لتبدأ الأسواق العالمية بالاهتزاز. هنا يصبح “التعطيل” بديلاً عن “الانتصار”.
لكن هذه المعادلة ليست بلا ثمن. فالقدرة على التعطيل سلاح ذو حدين. كما تمنح قوة ردع، فإنها تفتح الباب أمام فوضى غير محسوبة. كلما زاد عدد الأطراف القادرة على التأثير، زادت احتمالات سوء التقدير، أو التصعيد غير المقصود. وهذا ما يجعل المنطقة تعيش على حافة توازن هش، حيث الردع قائم، لكن الانفجار ممكن.
في المقابل تحاول القوى الكبرى التكيف مع هذا الواقع الجديد. تعزيز الدفاعات وتنويع مصادر الطاقة وحماية سلاسل الإمداد هذه كلها خطوات تهدف إلى تقليل قابلية التعطيل. لكن الحقيقة تبقى أن القضاء على هذا الخطر بشكل كامل أمر شبه مستحيل لأن مصدره لم يعد مركزيًا أو تقليديًا.
التحول الأهم هنا ليس عسكريًا فقط بل فكري أيضًا.اذ لم يعد السؤال من الأقوى بل من يستطيع أن يؤثر أكثر بأقل تكلفة ومن يملك القدرة على فرض المعادلة
وختاما فأن الشرق الأوسط الجديد لم تعد القوة في السيطرة بل في القدرة على الإرباك. ومن يملك زر التعطيل يملك بشكل أو بآخر مفاتيح اللعبة العالمية

