قاسم الطائي – كاتب عراقي
ظاهرة لافتة تتكرر في قلب المشهد الثقافي لبغداد، وتحديدًا في شارع المتنبي، حيث يقف تمثال المتنبي شامخًا بوصفه رمزًا للهوية الأدبية والحضارية، لكنه في الوقت ذاته يتحول، بفعل بعض السلوكيات، إلى مسرح لممارسات تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي الثقافي.
حين تتحول الرموز إلى خلفية للصور !
من المؤسف أن نرى بعض الزائرين، كبارًا وصغارًا، يتجاوزون الحواجز الموضوعة لحماية التمثال، فيتسلقه المراهقون، ويُجلس الأطفال على قاعدته بمساعدة ذويهم، فقط لالتقاط صورة تذكارية.
المشهد لا يعكس عفوية بريئة بقدر ما يكشف خللًا في فهم معنى الرمز، وقيمة المكان، وحدود التعامل مع الإرث الحضاري.
التمثال ليس لعبة، ولا منصة تصوير، بل علامة ثقافية تمثل تاريخ أمة، وشاهدًا على أن بغداد كانت يومًا مركز إشعاع معرفي للعالم.
المشكلة ليست في الصورة… بل في الرسالة !!
قد يظن البعض أن الأمر بسيط: صورة للذكرى لا أكثر.
لكن في عصر التواصل الرقمي، لم تعد الصور شأنًا شخصيًا.
ما يُنشر اليوم يصل إلى العالم خلال ثوانٍ.
وحين يرى الآخرون أبناء بلد الحضارات يتعاملون مع رموزهم بهذا الشكل، فإن الرسالة التي تصل لا تتعلق بالسلوك الفردي فقط، بل بصورة المجتمع بأكمله.
كيف نطالب العالم باحترام تاريخنا، ونحن لا نحسن احترام رموزه؟
جذور الظاهرة
هذه السلوكيات ليست نتيجة سوء نية، بل تعود إلى عدة عوامل، أبرزها:
•ضعف الوعي بقيمة الرموز الثقافية.
•غياب التربية المتحفية والمجتمعية.
•التعامل مع الأماكن التراثية بوصفها فضاءات ترفيهية لا مواقع رمزية.
•تقليد سلوك الآخرين دون إدراك عواقبه.
حلول ممكنة… تبدأ من الوعي
معالجة هذه الظاهرة لا تحتاج إلى عقوبات بقدر ما تحتاج إلى بناء وعي:
1. التثقيف المجتمعي
إطلاق حملات توعوية بسيطة في الفضاءات الثقافية توضح أن حماية الرموز جزء من حماية الهوية.
2. دور الأسرة
على الآباء أن يدركوا أن تعليم الطفل احترام المكان أهم من منحه صورة جميلة.
3. اللافتات الإرشادية الذكية
وضع رسائل قصيرة ذات بعد حضاري مثل:
“احترام الرمز… احترام لذاتك”.
4. حضور ثقافي تطوعي
وجود مرشدين أو متطوعين يشرحون للزائرين قيمة المكان بطريقة ودية.
5. تحويل الزيارة إلى تجربة معرفية
عبر ربط المكان بسرديات تاريخية تجعل التمثال حيًا في الوعي لا مجرد خلفية تصوير.
في الختام
احترام التراث لا يقاس بالشعارات، بل بالسلوك اليومي. ومن يحسن التعامل مع رموزه، يحسن تقديم نفسه للعالم.
فهل نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع ذاكرتنا الحضارية؟

