د. احمد علي الكناني
منذ إقرار الدستور العراقي تشكّلت ملامح دولة حديثة يفترض أن تقوم على التوازن بين السلطات واحترام القانون وبناء مؤسسات قادرة على إدارة شؤون البلاد بكفاءة. غير أن الواقع السياسي والأمني في العراق يكشف عن مسار مختل حيث تتداخل الاعتبارات الحزبية والطائفية مع القرار الوطني فتتسع الفجوة بين النصوص الدستورية والتطبيق الفعلي.
في الجانب السياسي لا تزال عملية اتخاذ القرار تعاني من حالة من التشتت وعدم الانسجام. فبدل أن تكون المؤسسات الدستورية هي الإطار الحاكم كثيرًا ما تتحول إلى ساحات لتقاطع المصالح والتجاذبات. هذا التداخل يضعف من قدرة الدولة على تبني سياسات مستقرة ويجعلها عرضة للتأثر بالتوازنات الهشة بين القوى المختلفة.
أما على الصعيد الأمني فإن التحدي لا يقتصر على مواجهة التهديدات بل يمتد إلى طبيعة إدارة الملف الأمني نفسه. فغياب الرؤية الموحدة وتعدد مراكز التأثير ينعكسان على مستوى الاستجابة وقدرة الدولة على فرض هيبتها. وفي ظل هذا الواقع تصبح المعالجات غالبًا ظرفية تفتقر إلى الاستدامة، ولا تعالج جذور المشكلة.
العامل الخارجي بدوره يلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل المشهد. فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وأهميته الاستراتيجية يبقى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. ومع غياب موقف داخلي موحد تتعاظم قدرة هذه التأثيرات على توجيه بعض المسارات السياسية بما يضعف من استقلالية القرار الوطني.
ما يزيد من تعقيد الصورة هو تراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة فحين لا تنعكس النصوص القانونية على واقع ملموس يتولد شعور عام بأن الدولة عاجزة عن تلبية تطلعات المجتمع. هذا التراجع في الثقة لا يؤثر فقط على الاستقرار الداخلي بل يفتح الباب أمام مزيد من الاضطراب السياسي والاجتماعي.
إن الإشكالية في العراق لا تكمن في نقص الأطر الدستورية بل في البيئة التي تُطبّق فيها هذه الأطر. فبناء دولة مستقرة لا يتحقق بمجرد وجود نصوص متقدمة بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية ومؤسسات فاعلة وثقافة سياسية تقوم على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
في المحصلة يبقى المشهد العراقي معلقًا بين طموح الدولة كما يرسمه الدستور، وواقع معقد تفرضه السياسة. وبين الاثنين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة إما باتجاه تضييق هذه الفجوة عبر إصلاحات حقيقية أو استمرارها بما يحمله ذلك من تحديات على مستقبل الاستقرار والسيادة.

