155 ألف للدولار: حين يهزم السوق الموازي السياسة النقدية في العراق!

علي كريم إذهيب – كاتب وصحفي اقتصادي

لم يعد ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق مجرد رقم يتغير على شاشات مكاتب الصيرفة، بل تحوّل إلى مؤشر عميق على اختلالات هيكلية في الاقتصاد والسياسة النقدية معاً. وصول السعر إلى حدود 155 ألف دينار لكل 100 دولار يعكس واقعاً أكثر تعقيداً من مجرد زيادة طلب عابر، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأدوات الحالية على ضبط السوق.

في جوهر الأزمة، يقف قانون العرض والطلب كعامل حاسم. الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية احتياجاته، من السلع الغذائية إلى المواد الإنشائية والتكنولوجيا. هذا الاعتماد يخلق طلباً دائماً ومتصاعداً على الدولار. في المقابل، فإن عرض الدولار يخضع لقيود تنظيمية عبر نافذة البنك المركزي، ما يؤدي إلى فجوة بين ما يحتاجه السوق فعلياً وما يتم توفيره رسمياً. هذه الفجوة هي الشرارة الأولى لارتفاع السعر في السوق الموازي.

لكن العامل الأبرز الذي فاقم الأزمة يتمثل في القيود المفروضة على التحويلات الخارجية. مع تشديد إجراءات التدقيق على الحوالات بالدولار، باتت العديد من العمليات التجارية تواجه الرفض أو التأخير. هذا الواقع دفع التجار إلى البحث عن بدائل خارج القنوات الرسمية، ما يعني اللجوء إلى السوق الموازي لتأمين العملة الصعبة. ومع تزايد هذا السلوك، ارتفع الطلب على الدولار خارج الإطار الرسمي، فارتفع السعر تباعاً.

الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق شكلت بدورها بيئة خصبة للمضاربة. عندما يكون هناك فرق كبير بين السعرين، يصبح تحقيق الربح السريع أمراً مغرياً. هذا ما يدفع بعض الأطراف إلى شراء الدولار بالسعر الرسمي ومحاولة بيعه في السوق الموازي، أو العكس، ما يخلق طلباً إضافياً غير حقيقي، ويزيد من الضغط على العملة المحلية. هذه الظاهرة، المعروفة اقتصادياً بالمراجحة، تتحول في مثل هذه الظروف إلى عامل مسبب لعدم الاستقرار بدلاً من أن تكون أداة توازن.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل ملف تهريب العملة. جزء من الدولار الذي يدخل السوق العراقية لا يبقى داخلها، بل يجد طريقه إلى دول مجاورة تعاني من قيود أو عقوبات تجعل الدولار أكثر قيمة لديها. هذا النزيف المستمر للعملة الصعبة يقلل من المعروض داخل العراق، ويزيد من حدة الأزمة، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة الفعلية على حركة الأموال عبر الحدود.

العامل النفسي يلعب دوراً لا يقل أهمية. عندما يفقد المواطن أو التاجر ثقته باستقرار العملة المحلية، يتحول الدولار إلى ملاذ آمن. هذا السلوك، الذي يبدأ كإجراء احترازي، يتحول سريعاً إلى ظاهرة جماعية تؤدي إلى اكتناز الدولار وتراجع التداول بالدينار. ومع كل ارتفاع جديد في السعر، تتعزز هذه القناعة، فيدخل السوق في حلقة مفرغة يصعب كسرها.

سياسياً، لا يمكن فصل سعر الصرف عن حالة عدم الاستقرار العام. التوترات الداخلية، بطء اتخاذ القرار، أو الغموض في السياسات الاقتصادية كلها عوامل تدفع السوق نحو القلق. كذلك، فإن أي توترات إقليمية أو مخاوف تتعلق بأسعار النفط، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في العراق، تنعكس فوراً على سلوك السوق، وتزيد من الطلب على الدولار كأداة تحوط.

المشكلة الأعمق تكمن في أن السوق الموازي أصبح، عملياً، هو من يحدد السعر الحقيقي للدولار، وليس السعر الرسمي. فمعظم التعاملات اليومية، خصوصاً في القطاع الخاص، تتم خارج القنوات الرسمية، ما يجعل أي سياسة نقدية غير مدعومة بآليات تنفيذ فعالة عرضة للفشل أو التأثير المحدود.

وصول الدولار إلى 155 ألف دينار ليس نتيجة عامل واحد، بل هو نتاج تداخل معقد بين قيود تنظيمية، ضغوط خارجية، سلوكيات سوقية، وعوامل نفسية وسياسية. معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم بإجراء واحد أو قرار سريع، بل تتطلب حزمة إصلاحات متكاملة تعيد التوازن بين العرض والطلب، وتعزز الثقة بالعملة المحلية، وتضبط حركة الدولار داخل وخارج البلاد.

الحلول تبدأ من إعادة تنظيم نافذة بيع العملة بشكل أكثر مرونة وشفافية، وتسهيل إجراءات التحويلات التجارية الحقيقية دون الإخلال بالرقابة. كما أن تشديد السيطرة على تهريب الدولار يمثل خطوة أساسية لوقف نزيف العملة الصعبة. بالتوازي، يجب العمل على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق عبر سياسات تدريجية مدروسة، وليس عبر إجراءات صادمة قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

كذلك، فإن تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد يشكلان حلاً طويل الأمد، يخفف الضغط على الطلب على الدولار. ومن دون ذلك، سيبقى الاقتصاد العراقي رهينة تقلبات العملة الأجنبية. أما استعادة الثقة، فهي تتطلب خطاباً اقتصادياً واضحاً وإجراءات ملموسة يشعر بها المواطن والتاجر على حد سواء.

إلى أن تتحقق هذه المعالجات، سيبقى السوق الموازي اللاعب الأقوى، وسيظل سعر الصرف مرآة تعكس عمق التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد العراقي، بين واقع نقدي وإصلاحات لم تكتمل بعد.