حين ينطفئ بريق الدولار… سردية الأفول الأمريكي بين ترامب وتحولات النظام الدولي

علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي

في لحظة تاريخية تعيد تشكيل موازين القوة العالمية. لم يعد الحديث عن تراجع الولايات المتحدة مجرد طرح نظري في الأروقة الأكاديمية بل تحول إلى نقاش جدي تتبناه مراكز الأبحاث الدولية وخبراء الاستراتيجية. حيث تتقاطع مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية لتطرح سؤالاً جوهرياً.

هل دخلت الإمبراطورية الأمريكية مرحلة الأفول؟

تبدأ هذه القراءة من التحول الذي أحدثته سياسات دونالد ترامب. والتي لم تكن مجرد انحراف تكتيكي في السياسة الخارجية. بل مثلت انقلاباً في فلسفة القيادة الأمريكية ذاتها فمن خلال شعار (أمريكا أولاً) أعادت واشنطن تعريف دورها العالمي على أساس الانكفاء وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية. ما أدى إلى تصدع التحالفات التقليدية التي شكلت لعقود شبكة النفوذ الأمريكي الممتدة من أوروبا إلى آسيا وهو ما أضعف الثقة الدولية بالولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه وفتح المجال أمام قوى صاعدة لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.

غير أن العامل الأكثر حسماً في تسريع هذا التحول لم يكن سياسياً فقط. بل تجلى بوضوح في الإخفاقات الاستراتيجية في إدارة الصراعات الكبرى. وعلى رأسها المواجهة مع إيران. حيث كشفت هذه الحرب عن حدود القوة الأمريكية وعجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة. فلا تغيير في بنية النظام الإيراني تحقق. ولا تفكيك حقيقي لقدراته الاستراتيجية. ولا حتى فرض معادلة ردع مستقرة. بل على العكس أظهرت الأحداث أن واشنطن باتت تدير صراعاً مكلفاً دون حسم. وهو ما انعكس سلباً على صورتها كقوة قادرة على فرض إرادتها. وأعاد إلى الأذهان نماذج تاريخية لتآكل الإمبراطوريات عندما تعجز عن حسم حروبها.

في موازاة ذلك يشهد النظام الدولي تحولات بنيوية عميقة أبرزها صعود تكتلات اقتصادية وسياسية بديلة مثل بركس ومنظمة شنغهاي. التي لم تعد مجرد أطر تعاون إقليمي. بل بدأت تتحول تدريجياً إلى منصات لتحدي الهيمنة الغربية. خصوصاً في مجالات التجارة والطاقة والنظام المالي. حيث تسعى هذه التكتلات إلى تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي عبر تعزيز التبادلات بالعملات المحلية. وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للركيزة الأهم في القوة الأمريكية.

فالدولار لم يكن مجرد عملة. بل كان الأداة الأكثر فاعلية في ترسيخ النفوذ الأمريكي عالمياً. إذ مكّن واشنطن من التحكم بالتجارة الدولية. وفرض العقوبات. وتمويل عجزها الداخلي دون كلفة حقيقية. لكن مع تزايد الدعوات إلى إزالة ( الدولرة) وتنامي البدائل المالية. بدأت هذه الهيمنة تواجه تحديات غير مسبوقة. ما يطرح احتمال انتقال العالم تدريجياً إلى نظام نقدي أكثر تعددية وهو تحول يحمل في طياته تداعيات عميقة على الاقتصاد الأمريكي وقدرته على الحفاظ على موقعه القيادي.

وتشير تقارير صادرة عن مراكز دراسات استراتيجية غربية إلى أن تآكل (القوة الناعمة) الأمريكية لا يقل خطورة عن التحديات الاقتصادية والعسكرية. فالصورة التي كانت تقدمها الولايات المتحدة كنموذج للديمقراطية والاستقرار تعرضت لهزات متتالية بفعل الانقسامات الداخلية الحادة. وتصاعد الخطاب الشعبوي.

ما أفقدها جزءاً مهماً من جاذبيتها العالمية. وهي الجاذبية التي كانت تشكل أحد أعمدة تفوقها التاريخي.

في ضوء هذه المعطيات. لا يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو انهيار مفاجئ بقدر ما تعيش مرحلة تراجع تدريجي وإعادة تموضع في نظام دولي آخذ في التحول نحو التعددية. حيث لم تعد القوة حكراً على قطب واحد. بل باتت موزعة بين عدة مراكز نفوذ. ومع استمرار هذا المسار. يبدو أن (النجم الأمريكي) الذي ظل لعقود في ذروة سطوعه. بدأ بالفعل يفقد شيئاً من بريقه. ليس بفعل عامل واحد. بل نتيجة تراكم أخطاء استراتيجية وتحولات دولية عميقة تعيد رسم شكل العالم كما نعرفه.