بين مضيق هرمز وبازار التفاوض.. كيف أعادت الحرب تشكيل منطق الصراع الأمريكي الإيراني

علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي

لم تعد معادلة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قائمة على فائض القوة العسكرية بقدر ما أصبحت رهينة القدرة على استدامة الحرب. فإيران رغم الفوارق العسكرية التقليدية أثبتت أن طول النفس الاستراتيجي يمكن أن يعادل بل يتفوق على القوة الضاربة ما خلق إدراكًا متبادلًا لدى الطرفين بأن استمرار المعركة لن يحقق الأهداف المعلنة لأي منهما. ومن هنا، لم يكن التوجه نحو التفاوض خيارًا تكتيكيًا فحسب بل نتيجة حتمية لمأزق استراتيجي مشترك.

في إسلام آباد. لم تفشل المفاوضات بقدر ما تعثرت إحدى جولاتها ضمن مسار أطول. فقد حملت تلك الجولة طابعًا استعراضيًا من الطرفين. غير أن طهران دخلت وهي تمتلك ورقة بالغة الحساسية مضيق هرمز. الذي نجحت في تحويله من موقع جغرافي تاريخي إلى أداة ردع استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عميقة.

في المقابل لجأت واشنطن إلى سياسة خنق الموانئ. لتنشأ حالة ما يمكن وصفها بـ (المأزق المؤلم) حيث يعجز الطرفان عن الحسم. ويُدفعان نحو البحث عن تسوية.

ضمن هذا السياق. يتحول التفاوض إلى ما يشبه ( بازار سياسي) حيث لا مكان لشعارات (الكل أو لا شيء). فالتجربة التاريخية لإيران قبل الثورة وبعدها تُظهر ميلًا دائمًا إلى التموضع في المنطقة الرمادية. حيث الأولوية لبقاء النظام لا للمواجهة المفتوحة. ويعكس ذلك مشهد المصافحة بين محمد باقر قاليباف وجيه دي فانس، والتي بدت رغم كل التوترات والاغتيالات محملة بإشارات تهدئة غير معلنة. تؤكد أن ما يجري خلف الكواليس يختلف عمّا يُقال في العلن.

غير أن الفجوة التفاوضية لا تزال قائمة فإيران تتحرك ببطء استراتيجي محسوب مدركة أن تغيير مزاجها السياسي مكلف بينما يتسم دونالد ترامب بشخصيته السريعة والمتقلبة بنزعة نحو الحسم الإعلامي والاستعراض السياسي. هذا التباين بين (الصبر الإيراني) و(الاندفاع الأمريكي) يعمّق تعقيدات التفاوض لكنه لا يمنع التقدم نحو تفاهمات مرحلية.

لقد راهنت طهران على أن كلفة الحرب باتت مرتفعة سياسيًا واقتصاديًا على ترامب ونجحت إلى حد بعيد في (عولمة الألم) أي نقل تأثير الصراع إلى الاقتصاد العالمي خصوصًا عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

في المقابل. دخلت واشنطن مفاوضات إسلام آباد بعقلية المنتصر. مقدمة حزمة شروط قاسية ومروّجة لرواية تدمير القدرات الإيرانية وهو ما رفضته طهران مؤكدة أنها خرجت بمكاسب استراتيجية لا يمكن التفريط بها على طاولة التفاوض.

تشير المعطيات إلى أن جولة إسلام آباد نجحت في تحقيق هدفها الأساسي. وضع إطار تنظيمي للتفاوض وتمديد الهدنة وهذا ما ننتظره في قادم الايام . لا حسم القضايا الجوهرية. فالقضايا الكبرى. من النفوذ الإقليمي إلى الملف النووي. لا تزال مفتوحة لكنها انتقلت من ساحة الحرب إلى طاولة التفاوض.

في المرحلة المقبلة. وضمن نهج تفاوضي يتجه نحو الحسم تبدو إيران أقرب إلى تبنّي خيار السلام الدائم مع الولايات المتحدة لا بوصفه تنازلًا بل كإعادة تموضع استراتيجي ينسجم مع مبدأ الحفاظ على النظام وتعظيم المكاسب.

هذا التحول سينعكس مباشرة على شكل النفوذ الإيراني في الإقليم حيث يُتوقع أن ينتقل من طابعه العسكري إلى نفوذ سياسي منظم في ساحات مثل العراق واليمن ولبنان. ضمن صيغة تعتمد على التكتلات السياسية وأدوات الدولة بدل الارتكاز على الفعل المسلح.

أما الملف النووي. الذي شكّل لعقود محور التوتر. فيمكن أن يجد طريقه إلى الحل عبر مقاربة تقنية سياسية تقوم على ترقيق مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وإعادة توظيفه في المجالات الطبية والبحثية مع الحفاظ على حق إيران في برنامج نووي سلمي ودمجه ضمن منظومة استقرار دولي أوسع.

في المقابل. ستُعاد صياغة العلاقة مع إسرائيل ضمن معادلة (لا حرب ولا سلام) على غرار نماذج قائمة في دول مثل باكستان وماليزيا وإندونيسيا حيث يُدار التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع بقاء القنوات غير المباشرة مفتوحة.

في هذا الإطار. لن يكون السلام بلا مقابل إذ ستُطالب طهران بحزمة التزامات أمريكية تشكّل جوهر الاتفاق تبدأ بـفك الأموال المجمدة .ورفع العقوبات بالكامل. مرورًا بالمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب وفق مقاربة دولية تقودها واشنطن. وصولًا إلى الاعتراف الرسمي بالجمهورية الإسلامية. ومنحها دورًا إقليميًا معترفًا به باعتبارها قوة كبرى في المنطقة. بما في ذلك شكل من أشكال السيادة أو الشراكة في إدارة مضيق هرمز.

هكذا،. لا يبدو أن المرحلة القادمة ستنهي الصراع بقدر ما ستعيد تعريفه. من مواجهة مفتوحة إلى توازن مستقر. تُدار فيه المصالح عبر السياسة بدل السلاح. وتُرسم فيه خرائط النفوذ بقواعد جديدة.