بغداد – شبكة إنماز نيوز
في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي يواجهها العراق، يعود الجدل حول إعادة فرض التجنيد الإلزامي إلى الواجهة، ليس فقط من زاوية أمنية أو اجتماعية، بل كملف اقتصادي ثقيل التأثير. فبينما يُطرح التجنيد كحل لامتصاص البطالة وتنظيم شريحة الشباب، يرى اقتصاديون أنه قد يتحول إلى عبء مزدوج: مالي على الدولة، وإنتاجي على السوق.
تعقيبات سياسية
بدورهِ أكد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، اليوم الأحد، رفضه تسميه قانون خدمة العلم بـ “التجنيد الإلزامي”، موضحا لا نريد عسكرة المجتمع.
ونقلت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب عن الحلبوسي في بيان للوكالة الرسمية قوله : بأنه “لا نريد عسكرة المجتمع بل نريد أن يشعر الشباب بالانتماء إلى الوطن”.
وأضاف أن “القانون هو قانون خدمة العلم ونرفض تسميته بـ التجنيد الإلزامي”.

في السياق ذاته، أعلنت النائبة في مجلس النواب العراقيآيات أدهم تأييدها هذا التوجه، معتبرة أن تبني رئاسة البرلمان مشروع قانون التجنيد الإلزامي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز قدرات الجيش العراقي، وقالت أدهم “إن الهدف من القانون ليس عسكرياً فحسب، بل هو ترسيخ للهوية الوطنية، وتأهيل جيل من الشباب القادر على تحمل المسؤولية وصون أمن العراق”.
ويعكس هذا الموقف وجود تيار سياسي داخل البرلمان يرى أن المشروع يمكن أن يتجاوز البعد العسكري التقليدي، ليصبح أداة لبناء المواطنة وتعزيز تماسك المجتمع.

وعاد ملف التجنيد الإلزامي في العراق إلى واجهة النقاش السياسي والتشريعي مجدداً، بعد إعلان مكتب رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي تبني مقترح قانون التجنيد الإلزامي، بوصفه ضرورة أمنية واجتماعية تسهم في تعزيز قوة المؤسسة العسكرية، وبناء جيل أكثر انضباطاً ومسؤولية، في خطوة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية منذ عام 2003.
الطرح الجديد لا يقتصر على إعادة العمل بنظام الخدمة العسكرية الإلزامية، بل يأتي في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشباب، وبين الأمن الوطني والتنمية الاجتماعية، وبين متطلبات بناء جيش محترف من جهة، وحاجات المجتمع العراقي الاقتصادية والسياسية من جهة أخرى.
من حيث المبدأ، يبدو التجنيد الإلزامي كأداة سريعة لخفض معدلات البطالة، إذ يتم إدخال عشرات الآلاف من الشباب سنويًا في الخدمة العسكرية، ما يؤدي إلى انخفاض رقمي في نسب العاطلين عن العمل. لكن هذا الانخفاض، بحسب مختصين، هو انخفاض “شكلي” لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد. فالشاب المجند لا يُعدّ منتجًا اقتصاديًا بالمعنى التقليدي، بل يتم تحويله من خانة “باحث عن عمل” إلى خانة “مستهلك للإنفاق الحكومي”.
هذا التحول يخلق ما يمكن تسميته بـ”البطالة المقنّعة”، حيث يتم إخفاء المشكلة بدل معالجتها. فبدلاً من خلق فرص عمل حقيقية في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، يتم احتواء الشباب داخل مؤسسة عسكرية لا تساهم مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، إلا ضمن حدود ضيقة تتعلق بالأمن والاستقرار.
أما من ناحية الكلفة المالية، فإن التجنيد الإلزامي يمثل التزامًا كبيرًا على الموازنة العامة. فكل مجند يحتاج إلى راتب، وتجهيز، وتدريب، وسكن، وخدمات صحية. وإذا ما افترضنا تجنيد مئات الآلاف سنويًا، فإن ذلك يعني مليارات الدنانير الإضافية التي تُستقطع من خزينة الدولة، في وقت يعاني فيه العراق أصلًا من عجز مالي واعتماد كبير على الإيرادات النفطية.
هذه الأموال، وفق رؤية اقتصادية بديلة، كان يمكن توجيهها نحو مشاريع استثمارية منتجة، تخلق فرص عمل مستدامة وتُحفّز النمو الاقتصادي. على سبيل المثال، الاستثمار في البنية التحتية أو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة كان سيؤدي إلى دورة اقتصادية أكثر فاعلية، بدل ضخ الأموال في قطاع استهلاكي مغلق نسبيًا.
إضافة إلى ذلك، فإن سحب الشباب من سوق العمل، حتى وإن كانوا عاطلين، يقلل من مرونة السوق ويؤثر على ديناميكيته. فالكثير من هؤلاء الشباب قد يكونون في طور البحث عن فرص أو تطوير مهارات، ومع إدخالهم في الخدمة الإلزامية، يتم تأجيل دخولهم الفعلي إلى الاقتصاد الإنتاجي. هذا التأجيل قد يمتد لسنوات، ما يؤدي إلى فقدان مهارات محتملة أو تعطيل طاقات بشرية كان يمكن استثمارها.
ولا يتوقف التأثير عند هذا الحد، بل يمتد إلى القطاع الخاص، الذي يعاني أصلًا من ضعف في استقطاب العمالة المحلية. فالتجنيد الإلزامي قد يدفع أرباب العمل إلى الاعتماد بشكل أكبر على العمالة الأجنبية أو غير الرسمية، بسبب عدم استقرار توفر اليد العاملة المحلية. وهذا بدوره يعمّق اختلالات سوق العمل ويؤثر على جودة الإنتاج.
من زاوية أخرى، يرى بعض المؤيدين أن التجنيد يمكن أن يساهم في الانضباط وبناء المهارات لدى الشباب، وهو طرح يحمل جانبًا من الصحة، لكن تحقيقه يتطلب نظامًا تدريبيًا متطورًا يربط الخدمة العسكرية بالتأهيل المهني، وهو ما يفتقر إليه العراق حاليًا. بدون هذا الربط، تبقى الخدمة مجرد فترة زمنية مستقطعة من عمر الشاب دون عائد اقتصادي واضح.
كما أن هناك بُعدًا ديموغرافيًا مهمًا، إذ يشكل الشباب نسبة كبيرة من سكان العراق، ما يعني أن أي سياسة تمس هذه الفئة سيكون لها تأثير واسع النطاق. وإذا ما تم توجيه هذه الكتلة البشرية نحو مسارات غير إنتاجية، فإن ذلك قد ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
في المحصلة، يمكن القول إن التجنيد الإلزامي، رغم ما يحمله من أهداف تنظيمية وأمنية، لا يُعد حلًا اقتصاديًا فعّالًا لمشكلة البطالة في العراق. بل قد يؤدي إلى إعادة توزيع المشكلة بدل حلّها، مع إضافة أعباء مالية جديدة على الدولة. الحل الحقيقي، كما يشير خبراء، يكمن في إصلاح هيكل الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وخلق بيئة استثمارية قادرة على استيعاب الشباب ضمن سوق عمل منتج ومستدام.
وبين خيار “إخفاء البطالة” وخيار “معالجتها”، يبقى التحدي أمام صانع القرار العراقي هو اختيار الطريق الذي يضمن مستقبلًا اقتصاديًا أكثر استقرارًا وعدالة.

