أزمة اختيار أم أزمة نظام؟ الإطار التنسيقي يؤجل قراره ورئاسة الحكومة رهينة التوازنات

بغداد – شبكة إنماز نيوز

في لحظة سياسية حسّاسة يمرّ بها العراق، تعود عقدة اختيار رئيس الحكومة لتتصدر المشهد، ليس بوصفها استحقاقاً دستورياً فحسب، بل باعتبارها اختباراً جديداً لتوازنات القوى داخل البيت الشيعي، وتحديداً داخل “الإطار التنسيقي” الذي يجد نفسه أمام معادلة معقّدة: بين الإبقاء على الوضع القائم أو الذهاب نحو تسوية قد تغيّر شكل المرحلة المقبلة.

معضلة الاختيار: بين الاستمرار والتغيير

المعضلة الأساسية التي تواجه قوى الإطار التنسيقي اليوم تتمثل في التوفيق بين رغبتين متناقضتين:
الأولى، تمسك بعض الأطراف باستمرار محمد شياع السوداني في رئاسة الحكومة، باعتباره نجح – وفق وجهة نظرهم – في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي وتحريك ملفات اقتصادية وخدمية مهمة.

أما الثانية، فهي إصرار أطراف أخرى، على رأسها نوري المالكي، على إعادة ترتيب المشهد بما يضمن نفوذاً أكبر داخل السلطة التنفيذية، سواء عبر العودة المباشرة أو عبر دعم شخصية أقرب إلى رؤيته السياسية.

هذا الانقسام لا يُقرأ فقط في إطار المنافسة الشخصية، بل يعكس صراعاً أعمق على شكل الدولة وإدارة السلطة في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات سياسية وانتخابية حساسة.

السوداني: ورقة الاستقرار أم مشروع مؤقت؟

يرى مؤيدو السوداني أنه استطاع خلال فترة قصيرة نسبياً أن يقدم نموذجاً مختلفاً في الإدارة، مستفيداً من تهدئة الصراعات السياسية والتركيز على الملفات الخدمية.

ويقول النائب المستقل كاظم الشمري (تصريح متداول في وسائل الإعلام): “الحكومة الحالية نجحت في تخفيف الاحتقان السياسي، وهناك تقدم في ملف الخدمات، وهذا يعطي مبرراً قوياً للاستمرار”.

لكن هذا الطرح لا يلقى إجماعاً داخل الإطار، إذ تعتبر بعض القوى أن السوداني لا يمثل مشروعاً سياسياً متكاملاً بقدر ما هو خيار توافقي فرضته ظروف المرحلة، وبالتالي فإن استمراره قد لا يخدم طموحاتها بعيدة المدى.

النائب كاظم الشمري: حكومة السوداني نجحت في تخفيف الاحتقان السياسي
النائب كاظم الشمري: حكومة السوداني نجحت في تخفيف الاحتقان السياسي

المالكي: العودة المباشرة أم إدارة المشهد من الخلف؟

في المقابل، يتمسك نوري المالكي بموقعه كلاعب أساسي في تحديد شكل الحكومة المقبلة.

ويقول هشام الركابي مدير المكتب الإعلامي لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ان ” الأخير ما زال المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة”، نافيًا الأنباء عن انسحابه لصالح السوادني او مرشح آخر”.

الركابي : نوري المالكي ما زال المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة
الركابي : نوري المالكي ما زال المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة

ورغم عدم وجود إعلان رسمي بترشحه، إلا أن تحركاته السياسية وتصريحاته تعكس رغبة واضحة في التأثير الحاسم على القرار النهائي.

ويشير المحلل السياسي واثق الهاشمي في قراءة حديثة إلى أن: “المالكي لا يبحث فقط عن منصب، بل عن إعادة تثبيت موقعه كصانع قرار داخل المعادلة الشيعية، سواء عبر ترشيح نفسه أو دعم شخصية محسوبة عليه”.

هذا الطموح يصطدم بتحفظات داخلية، خصوصاً من قوى تخشى من إعادة إنتاج أزمات سابقة أو تعقيد العلاقات الداخلية والخارجية للعراق.

باسم البدري: مرشح التسوية الصامت

وسط هذا التجاذب، يبرز اسم باسم البدري كمرشح تسوية محتمل، يتم تداوله في الكواليس السياسية كخيار يمكن أن يرضي الأطراف المتنافسة أو على الأقل يقلل من حدة الخلاف بينها.

البدري، الذي يُنظر إليه كشخصية أقل استفزازاً سياسياً، قد يمثل مخرجاً مؤقتاً للأزمة، خاصة إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.

باسم البدري يُنظر إليه كشخصية أقل استفزازاً سياسياً قد يمثل مخرجاً مؤقتاً للأزمة
باسم البدري يُنظر إليه كشخصية أقل استفزازاً سياسياً قد يمثل مخرجاً مؤقتاً للأزمة

ويقول الباحث في الشأن السياسي أحمد الشريفي: “عادةً ما تلجأ القوى السياسية في العراق إلى خيار التسوية عندما تتعقد الأمور، والبدري قد يكون أحد هذه الخيارات، لكنه يحتاج إلى توافق حقيقي وليس مجرد طرح إعلامي”.

تأجيل اجتماع الإطار: خلافات أعمق مما يُعلن

قرار تأجيل اجتماع الإطار التنسيقي من يوم السبت إلى يوم الاثنين، والذي من المقرر أن يُعقد في منزل عمار الحكيم، لم يكن قراراً تنظيمياً بسيطاً، بل يعكس حجم الخلافات التي لم تصل بعد إلى نقطة النضج السياسي.

مصادر سياسية مطلعة تشير إلى أن التأجيل جاء بسبب عدم التوصل إلى اتفاق أولي حول اسم المرشح، إضافة إلى استمرار النقاش حول آلية الاختيار نفسها: هل تكون عبر التصويت داخل الإطار؟ أم عبر التوافق الكامل؟

ويؤكد المحلل السياسي علي البيدر أن: “تأجيل الاجتماع يعني أن هناك فجوة حقيقية في المواقف، وأن القوى السياسية لا تزال تحاول كسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقها قبل الدخول في مواجهة حاسمة”.

منزل الحكيم: ساحة الحسم أم محطة جديدة للتأجيل؟

اختيار منزل عمار الحكيم لعقد الاجتماع يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يُنظر إلى الحكيم كطرف يمكن أن يلعب دور الوسيط بين الأجنحة المختلفة داخل الإطار.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمتلك الحكيم القدرة على تقريب وجهات النظر، أم أن الانقسام أكبر من أن يُحل في اجتماع واحد؟

السيناريوهات المطروحة تشير إلى احتمالين:
إما التوصل إلى اتفاق مبدئي يفتح الطريق أمام إعلان المرشح،
أو تأجيل جديد يعكس استمرار الأزمة، وربما يدفع باتجاه خيارات أكثر تعقيداً.

أزمة أشخاص أم أزمة نظام؟

في العمق، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف على اسم رئيس الحكومة، بل هي انعكاس لأزمة أوسع تتعلق بطبيعة النظام السياسي في العراق، القائم على التوازنات والتوافقات أكثر من اعتماده على معايير الكفاءة والبرامج.

وبين تمسك السوداني، وطموح المالكي، وظهور أسماء تسوية مثل باسم البدري، يبقى القرار النهائي مرهوناً بقدرة الإطار التنسيقي على تجاوز خلافاته الداخلية، أو على الأقل إدارتها بطريقة لا تؤدي إلى شلل سياسي جديد.

حتى ذلك الحين، سيبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، فيما يراقب الشارع العراقي بقلق ما ستؤول إليه لعبة مرشح رئاسة الحكومة!