علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي
ثمة مفارقة كبرى تحكم العقل الجمعي العراقي اليوم في قراءته للواقع الاقتصادي المنهار مفارقة لا تقف عند حدود الجهل بالمصطلحات المالية فحسب بل تمتد لتشكل انزياحا كاملا في مفهوم السببية والنتيجة حيث نجحت حرب ناعمة شديدة التعقيد في تمرير سردية جاهزة تقول إن إيران هي سبب الدمار الاقتصادي للعراق وإن طهران لا تريد لهذا البلد أن ينهض فيما يجري التغاضي كليا وببراعة لافتة عن الحقيقة الموثقة التي تشير بأصابع الاتهام كلها إلى واشنطن وحلفائها الإقليميين باعتبارهم المهندس الحقيقي للإفقار الممنهج للدولة العراقية.
هذه السردية التي يرددها الشارع بوعي أو بغير وعي ليست وليدة الصدفة بل هي نتاج سنوات من عمل جيوش إلكترونية ومنصات ممولة تسرب الأفكار المغلوطة إلى المجتمع مستغلة حالة الجهل بالمفاهيم الاقتصادية وخلط الأوراق بين التجارة البينية والهيمنة المالية الكلية وقد صارت هذه المقولة حقيقة مطلقة لا يناقشها إلا مشكوك في وطنيته في انزياح مذهل قاده رجال المنصات وجيوش التغريد الذين يحترفون فصل المواطن عن قدرته على السؤال.
لكن السؤال الجريء الذي تهرب منه هذه الضجة المدبرة هو كيف لدولة جارة . تجارتها مع العراق لا تتجاوز حصة متواضعة من فاتورة الاستيراد أن تكون سبب الانهيار الشامل فيما تبقى الدولة التي تضع خزينة العراق في قبضة بنكها المركزي خارج إطار الشبهة كأنها قدر لا يرد. الحكاية لا تبدأ من طهران ولا من مرفأ البصرة بل تبدأ من قبو بنك في نيويورك حيث يكمن المفتاح الذي تدور به كل أقفال الاقتصاد العراقي. لنبدأ من الجذر الحقيقي للمأساة حين أسست سلطة الائتلاف المؤقتة بعد الغزو الأمريكي ما سمي بصندوق العراق للتنمية وهو الاسم البراق الذي يخفي خلفه أداة السيطرة الأكثر إحكاما على مقدرات البلاد فبأمر تنفيذي وقعه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في الثاني والعشرين من مايو عام ألفين وثلاثة وجدد من بعده تحول هذا الصندوق ظاهريا إلى أداة لإعادة الإعمار لكنه في الواقع أصبح حسابا مقيدا في البنك الفيدرالي الأمريكي بنيويورك وليس في البنك المركزي العراقي. ما سمي زورا بصندوق تنمية العراق كان في حقيقته شهادة وفاة السيادة المالية العراقية وكمينا قانونيا محكما لفصل الدولة عن عصب حياتها فهذا الترتيب المالي منح واشنطن زر التحكم في اقتصاد بلد يعتمد في موازنته بنسبة تسعين بالمئة على عائدات النفط التي تتدفق كلها إلى حساب يخضع للسلطة القضائية والتنفيذية الأمريكية كما تمتلك الولايات المتحدة صلاحية حماية هذه الأموال من أي مطالبات قانونية أو أحكام قضائية وهو ما يعني باختصار أن العراق لا يملك سيادة مالية حقيقية على أمواله بل يخضع لإرادة سياسية في العاصمة الأمريكية تقرر متى وكيف وأين ينفق العائد النفطي. واشنطن لا تحتاج إلى تدمير مصنع هنا أو تفجير جسر هناك يكفيها أن تتحكم في إيقاع الصرف وأن تمسك بميزان المدفوعات لتجعل أي محاولة نهوض أشبه بسباحة ضد تيار من الإسمنت المسلح.
وإذا كان البعض يردد مقولة إن إيران تدمر الاقتصاد العراقي عبر إغراق السوق ببضائعها فإن الأرقام الرسمية تفضح زيف هذا الادعاء بشكل قاطع فحجم الواردات العراقية من إيران لا يشكل سوى جزء يسير من إجمالي فاتورة الاستيراد الضخمة التي بلغت في عام ألفين وأربعة وعشرين ما يقارب سبعة وثمانين مليار دولار في المقابل يستورد العراق من السعودية وتركيا والأردن والصين ما يفوق أضعاف ما يستورده من إيران ومع ذلك يوجه الخطاب العدائي حصرا نحو الشرق بينما يصمت تماما عن الحديث عن الاختناق الاقتصادي الذي تمارسه دول الجوار الأخرى.
لماذا هذا الصمت الانتقائي لماذا تتحول كل قارورة مياه معدنية قادمة من الشرق إلى قنبلة موقوتة في الخطاب اليومي فيما تتدفق البضائع من الغرب والجنوب بلا ضجيج كأنها هواء لا يرى السر هنا ليس اقتصاديا بالمعنى الصرف بل هو أيديولوجي صرف إنها الحرب الناعمة التي تستثمر في مخزون الشحن التاريخي والطائفي لتحويل الجار الشرقي إلى وحش خرافي فيما يقف الجاني الحقيقي في الظل يدير دفتر الشيكات مبتسما.
تركيا على سبيل المثال تواصل التلاعب بحصة العراق المائية عبر بناء السدود على نهري دجلة والفرات مما أدى إلى تدمير الواقع الزراعي وتحويل البلاد من سلة غذاء إلى مستورد صاف فيما تمارس دول الخليج سياسة اقتصادية تقوم على مبدأ واضح وهو أن نهوض العراق بكل مقوماته البشرية والطبيعية يعني تراجعا استراتيجيا لها في معادلات النفوذ الإقليمي.
أما الحلقة الأكثر فداحة في مسلسل تدمير البنية الاقتصادية العراقية فهي المنع الممنهج الذي تمارسه أمريكا وحلفاؤها لمنع العراق من تطوير منظومة الطاقة والاكتفاء ذاتيا في قطاع حيوي يمثل شريان الحياة وقد خرج هذا الاعتراف من داخل المعسكر الغربي نفسه حين صرح السفير الألماني حليف أمريكا الناطق بلسان السياسة الأوروبية المنحازة لامريكا بأن العراق يمنع من بناء صناعة طاقة مستقلة. هذا التصريح دليل دامغ على أن مشكلة العراق ليست في الجوار الإيراني بل في هيمنة دولية تقوم على إبقاء العراق رهينة للاستيراد والتبعية المطلقة فعراق يمتلك الاكتفاء الذاتي في الطاقة هو عراق يتحرر من الوصاية الأمريكية على أمواله وعراق ينهض زراعيا هو عراق يستغني عن الواردات الغذائية الخاضعة لشروط الموردين الإقليميين والدوليين وهنا تحديدا تكمن المعضلة الحقيقية.
إن محور التدمير الحقيقي للاقتصاد العراقي لا يقع في التعرفة الجمركية مع إيران بل في ثلاثية مترابطة من الخنق الممنهج . تبدأ بالحجز المالي في الفيدرالي الأمريكي الذي يجعل الموازنة العراقية مجرد بيان نوايا لا سلطة فعلية عليه . وتمر بمنع تطوير منظومة الطاقة العراقية . وتنتهي بسياسة الجوار الإقليمي التي لا تريد لعراق مكتف أن ينهض لأن نهوضه يعني تلقائيا تراجعاً لدول أقليمية واحتلال العراق نفوذ جيوسياسي.
إن الجهل المركب بالمصطلحات الاقتصادية وخلط المفاهيم بين حجم التبادل التجاري مع إيران وبين أزمة السيادة المالية مع أمريكا يساعد جيوش المنصات والمحللين على تسريب الأفكار الخاطئة إلى المجتمع فالمواطن البسيط الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وانعدام فرص العمل يسمع يوميا أن إيران تتحكم في الاقتصاد العراقي وتنهبه .
بينما الحقيقة الموثقة تشير إلى أن من يحتجز أموال النفط في بنكه الفيدرالي هو أمريكا ومن يمنع بناء المصافي ومحطات الطاقة هو الغرب ومن يعبث بالأمن المائي والزراعي هي تركيا. هذه الحرب الناعمة التي تخاض على وعي العراقيين تستثمر في الصراع العربي الإيراني والأمريكي الإيراني لتحويل الأنظار عن الفاعل الحقيقي في تدمير البلاد وتوجيه الغضب الشعبي نحو عدو مصطنع فيما يستمر النهب الحقيقي للثروة والسيادة دون رادع.
الغريب في المشهد أن الشارع المنهك يردد التهمة الموجهة إلى الجار الشرقي بتلقائية المحفوظات المدرسية فيما لا يلتفت أحد إلى حقيقة أن أنقرة تحبس عنه مياه دجلة والفرات فتحيل أخصب أراضيه إلى سبخات ملحية ولا يلتفت إلى أن عواصم الخليج تنظر إلى محاولات النهوض العراقي بعين الريبة خوفا على مزاحم مستقبلي في سوق الطاقة والموقع الاستراتيجي. هنا تكمن عبقرية الحرب الحديثة فهي لا تقصف بالطائرات بل تقصف بالروايات وتجعل الضحية تقبل يد جلادها وتعض يد جارها. الفساد السياسي الداخلي موجود بلا شك وهو متفش ومذموم لكنه يبقى عرضا سرطانيا لجسم مبتور السيادة. أما الجرثومة الأم فهي تلك اليد التي تمسك بمفتاح خزانة النفط وتضغط عليه كلما هم العراق بالوقوف على قدميه. فغياب الإرادة الوطنية الحرة في إدارة الاقتصاد هو الجذر العضال الذي تتفرع عنه كل الأمراض المالية المزمنة وهي إرادة مقيدة منذ عام ألفين وثلاثة بأصفاد أمريكية موثقة في أوامر تنفيذية لا تزال سارية المفعول.
حتى يفيق العراق من هذه الغيبوبة المسعورة عليه أن يقرأ أرقامه بعينيه لا بعيون منتجي المحتوى وأن يسأل نفسه بصدق من الذي يحرر مالي ومن الذي يمنع مائي ومن الذي يريدني سوقا مستهلكا لا دولة منتجة عندها فقط سيدرك أن الجاني المستتر كان يختبئ طوال الوقت في أكثر الأماكن ظهورا في سرداب البنك الفيدرالي حيث تكمن سيادتنا المسلوبة.

