السفير د.أحمد علي الكناني
تُستخدم عبارة “المرجعية السياسية” للإشارة إلى الجهة أو الإطار الذي يُفترض أن يكون موضع ثقة المجتمع في توجيه القرار السياسي، سواء من خلال تقديم الرؤية، أو ضبط إيقاع العملية السياسية، أو ترجيح الخيارات في لحظات الأزمات. وقد تكون هذه المرجعية حزبًا قويًا، أو تحالفًا سياسيًا واسعًا، أو حتى شخصية قيادية تمتلك الشرعية الشعبية والقدرة على التأثير. وجوهر المرجعية السياسية لا يكمن فقط في امتلاك السلطة، بل في القدرة على كسب الثقة العامة، وتقديم حلول واقعية، والحفاظ على توازن الدولة ومصالحها.
في الحالة العراقية، يبرز تمايز واضح بين مفهوم المرجعية السياسية كما يُطرح نظريًا، وبين ما تحقق فعليًا على أرض الواقع. فمنذ عام 2003، عانى النظام السياسي من تعدد مراكز القرار، وتضارب المصالح، وغياب مرجعية سياسية جامعة قادرة على حسم الخلافات ضمن الأطر الدستورية. وقد فتح هذا الفراغ النسبي المجال أمام بروز دور مختلف، تمثل في المرجعية الدينية في النجف، التي استطاعت أن تكتسب ثقة غالبية العراقيين.
ولم تأتِ ثقة الشارع بالمرجعية الدينية من فراغ، بل نتيجة مواقف متراكمة اتسمت بالاتزان والابتعاد عن المصالح الحزبية الضيقة. فقد لعبت دورًا محوريًا في لحظات مفصلية، مثل الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات، والتأكيد على السلم الأهلي، والتصدي للانحرافات السياسية، فضلًا عن مواقفها الحاسمة في مواجهة التهديدات الأمنية. وقد عززت هذه الأدوار صورتها كمرجعية وطنية تتدخل عند الضرورة، دون أن تنخرط مباشرة في تفاصيل الحكم.
في المقابل، يطرح “الإطار التنسيقي” نفسه كمرجعية سياسية تمثل شريحة واسعة من القوى، لكنه يواجه تحديات حقيقية في ترجمة هذا الادعاء إلى واقع ملموس. فالأزمات المتكررة، وعدم القدرة على حسم ملفات أساسية، مثل اختيار رئيس الوزراء ضمن المدد الدستورية، تعكس خللًا في بنية القرار وآليات التوافق. فالمرجعية السياسية، بمعناها الحقيقي، تُقاس بقدرتها على الإنجاز وتقديم البدائل، لا بمجرد إعلان التمثيل أو امتلاك الأغلبية العددية.
ولا تهدف هذه المقارنة إلى المفاضلة، بقدر ما تسلط الضوء على معيار الثقة. فقد اكتسبت المرجعية الدينية مشروعيتها من الشارع عبر مواقفها، بينما لا تزال بعض القوى السياسية تسعى لاكتساب هذه الشرعية دون أن تنجح بالكامل في ترسيخها عمليًا. وهذا يكشف أن العراق لا يعاني فقط من أزمة إدارة، بل من أزمة مرجعية سياسية حقيقية.
في الختام، يحتاج العراق إلى مرجعية سياسية وطنية قادرة على تجاوز الانقسامات، وتمتلك رؤية واضحة، وتضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. فبدون ذلك، ستبقى الأزمات تتكرر، وسيظل مفهوم “المرجعية” موضع جدل بين من يملكه فعلًا، ومن يدّعيه دون أن يحقق شروطه.

