فوضى السوشل ميديا والشارع… عندما يغيب الرقيب وتحتضر الهوية

سلام جاسم الطائي – كاتب وباحث سياسي

في زمنٍ أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للتعبير أو تبادل الآراء، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للفوضى، تُصنع فيها الأزمات، وتُؤجَّج عبرها الخلافات، وتُشوَّه من خلالها القيم والهويات. وحين يغيب الرقيب الحقيقي، لا بمعناه القمعي، بل بمعناه القانوني والأخلاقي والثقافي، تبدأ ملامح المجتمع بالتآكل من الداخل.

إن أخطر ما تفرزه هذه الفوضى هو تطبيع الإساءة، حيث يُقدَّم الانحدار الأخلاقي على أنه جرأة، ويُسوَّق التهجم على الآخرين بوصفه حرية رأي، وتُمنح الشهرة لمن يثير الضجيج لا لمن يقدّم الفكرة. وهكذا يصبح الوعي الجمعي أسيراً لمحتوى هابط، يستهلك الوقت، ويُضعف الذائقة العامة، ويُفرغ الأجيال من انتمائها الحقيقي وقيمها الأصيلة.

ولا تقف آثار هذه الفوضى عند حدود الفضاء الإلكتروني، بل تمتد إلى الشارع، حيث تنتقل لغة الشتائم والتنمر والاستعراض إلى الواقع اليومي، فتتراجع هيبة القانون، وتضعف قيم الاحترام، وتُستبدل ثقافة الحوار بمنطق الصدام والفوضى. وما نراه من سلوكيات منفلتة في بعض الأماكن العامة ليس إلا انعكاساً مباشراً لما يُبث ويُروَّج دون ضوابط أو مسؤولية.

إن الهوية الوطنية والثقافية لا تموت دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجياً حين يُترك المجتمع بلا بوصلة، وحين تُقدَّم النماذج الفارغة على أصحاب الفكر والعلم والقيم. فالأمم لا تُهزم فقط بالحروب، بل قد تُهزم حين يُسرق وعيها، وتُشوَّه ذاكرتها، وتُستبدل رموزها الحقيقية بأصنام الشهرة الزائفة.

المطلوب اليوم ليس تكميم الأفواه أو مصادرة الحريات، بل بناء منظومة وعي ومسؤولية، تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتتعزز بالإعلام الوطني المسؤول، وتُحمى بقانون عادل يردع التجاوز ويحفظ الحقوق. كما أن على النخب الثقافية والمؤسسات الرسمية أن تدرك أن معركة الهوية لم تعد على الحدود فقط، بل أصبحت داخل الهاتف المحمول، وفي كل شاشة مفتوحة، وفي كل محتوى يُبث بلا وعي أو ضمير.

إن المجتمعات التي تترك فضاءها العام للفوضى ستدفع ثمن ذلك من أمنها وأخلاقها ومستقبل أبنائها. أما حين يعود الانضباط، وتُصان الكلمة، ويُحترم الذوق العام، عندها فقط تستعيد الأمة صورتها الحقيقية، وتبدأ طريق النهوض من جديد.