العراق… رهينة بقرار واحد .. (لماذا تملك واشنطن زر التأثير المالي. ولماذا لا نملك مفتاح خزنتنا؟)

علي قاسم – كاتب عراقي

لا تبدأ جميع الحروب بعبور الجيوش للحدود. فبعضها يبدأ بقرار مالي. أو بتشديد إجراءات رقابية. أو بتأخير تدفق السيولة داخل الأسواق. وفي عالم أصبحت فيه القوة الاقتصادية جزءاً أساسياً من موازين النفوذ. لم تعد الدول تُقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية فقط. بل بقدرتها على حماية قرارها الاقتصادي وإدارة مواردها باستقلالية.

ومن هذه الزاوية تبدو الأزمة العراقية أكثر تعقيداً من مجرد تقلبات في سعر الصرف أو مخاوف مرتبطة بالدولار. لأنها تكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها. وهي أن بلداً يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم ما زال يتأثر بصورة كبيرة بقرارات وإجراءات تصدر خارج حدوده.

(العراق خزنة هائلة الحجم). لكنه لم ينجح حتى الآن في امتلاك جميع مفاتيحها.

في الاقتصاد الحديث لا توجد دولة معزولة عن النظام المالي العالمي. فجميع الاقتصادات الكبرى والصغرى تتفاعل مع الأسواق الدولية والمؤسسات المالية العالمية. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين دولة تتعامل مع هذا النظام من موقع الشراكة والمصلحة المتبادلة. ودولة تصبح شديدة التأثر بأي تغيير يطرأ على قواعد هذا النظام بسبب هشاشة بنيتها الاقتصادية.

وهنا تكمن المشكلة العراقية.

فالعراق بنى اقتصاده خلال العقود الماضية على مورد واحد يكاد يكون المصدر الأساسي للإيرادات العامة. وهو النفط. ومن خلال هذه الإيرادات يتم تمويل الموازنة العامة. وتأمين العملة الصعبة. وتغطية معظم متطلبات الاستيراد. من الغذاء والدواء إلى المعدات والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية.

وعندما يعتمد اقتصاد بأكمله على مصدر واحد للدخل. فإن أي اضطراب في تدفق الأموال أو حركة النقد الأجنبي يتحول إلى مصدر قلق مباشر للدولة وللسوق وللمواطن.

إن الدولار بحد ذاته ليس المشكلة. فهو مجرد أداة داخل منظومة مالية عالمية واسعة. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في حجم الاعتماد عليه داخل الاقتصاد العراقي. فكلما ازدادت الحاجة إلى الاستيراد. وازدادت محدودية الإنتاج المحلي. تعاظمت حساسية الاقتصاد تجاه أي قيود أو إجراءات تتعلق بحركة الأموال والتحويلات.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ(زر التأثير المالي).

فالعراق يحتفظ بعائداته النفطية ضمن آليات مالية دولية معروفة. وقد ساهمت هذه الآليات في مراحل سابقة بحماية الأموال العراقية من مخاطر متعددة. إلا أن اعتماد الاقتصاد بصورة شبه كاملة على هذه المنظومة جعل أي تغيير في إجراءاتها أو متطلباتها الرقابية ينعكس بسرعة على الأسواق المحلية وعلى حركة التجارة وعلى سعر الصرف.
والمشكلة ليست في وجود تلك الآليات بحد ذاتها. بل في غياب البدائل الكافية التي تقلل من حجم التأثر بها.

لقد أثبتت التجربة أن الدول القوية اقتصادياً لا تبني سيادتها على الموارد الطبيعية وحدها. بل على تنوع مصادر الدخل وقوة مؤسساتها وقدرتها على الإنتاج. فالثروة الحقيقية ليست في ما تملكه الدولة تحت الأرض فقط. بل فيما تستطيع إنتاجه فوق الأرض.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية. كيف يمكن لدولة تستورد جانباً كبيراً من احتياجاتها الأساسية أن تحقق استقلالاً اقتصادياً كاملاً؟

وكيف يمكن الحديث عن سيادة مالية راسخة في ظل اعتماد واسع على الخارج في الغذاء والدواء والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد؟
إن جوهر الأزمة لا يرتبط بالعوامل الخارجية فقط. بل يرتبط أيضاً بطبيعة الإدارة الاقتصادية خلال السنوات الماضية. فقد جرى التعامل مع الكثير من المشكلات البنيوية عبر حلول مؤقتة وإجراءات إسعافية. بينما تأجلت الإصلاحات الكبرى المرتبطة ببناء المؤسسات وتطوير القطاعات الإنتاجية وتعزيز الشفافية وتحسين بيئة الاستثمار.

ومع مرور الوقت تراكمت الاختلالات حتى أصبحت أكثر وضوحاً وتأثيراً.
لقد كان العراق بحاجة إلى الانتقال من (اقتصاد الريع) إلى (اقتصاد الإنتاج).

ومن ثقافة الاستيراد السهل إلى ثقافة التصنيع والاستثمار طويل الأمد. إلا أن هذا التحول ظل أبطأ بكثير من حجم التحديات التي تواجه البلاد.

ومن المفارقات أن النقاش حول دعم المنتج الوطني غالباً ما يتركز على قطاعات محدودة الأثر. بينما تتطلب السيادة الاقتصادية الحقيقية الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية الكبرى. مثل الطاقة والصناعات التحويلية والتكنولوجيا والزراعة الحديثة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد المتطورة
فهذه القطاعات لا توفر فرص العمل فقط. بل تمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة الأزمات وتقليل الاعتماد على الخارج. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار خارجي بعينه. بل في أن يصبح اقتصاد كامل عاجزاً عن امتصاص آثار مثل هذه القرارات. الدول القوية لا تخشى الصدمات لأنها تمتلك بدائل. أما الدول الهشة فتشعر بارتدادات أي تغير مهما كان محدوداً.

ولهذا فإن القضية ليست قضية دولار فقط. وليست قضية شحنة نقدية أو إجراء مالي مؤقت. بل هي قضية نموذج اقتصادي كامل يحتاج إلى مراجعة وإعادة بناء.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن السيادة لا تتحقق بالشعارات. بل بالقدرة على اتخاذ القرار من موقع القوة. والقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد عسكرية فقط. بل أصبحت اقتصادية ومالية وتكنولوجية بالدرجة الأولى.
فالدولة التي تنتج غذاءها. وتطور صناعتها. وتبني مؤسساتها بكفاءة. وتمتلك رؤية اقتصادية واضحة. تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني مهما كانت الضغوط الخارجية.

أما الدولة التي تعتمد على مورد واحد. وتستورد معظم احتياجاتها. وتؤجل إصلاحاتها عاماً بعد آخر. فإنها تبقى معرضة للاهتزاز كلما تغيرت الظروف من حولها.

(العراق ليس فقيراً بالموارد). لكنه ما زال بحاجة إلى بناء عناصر القوة التي تحول هذه الموارد إلى استقلال اقتصادي حقيقي.

وما يحدث اليوم ليس أزمة منفصلة عن الماضي. بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاعتماد على الريع النفطي وضعف التنويع الاقتصادي وتعثر بناء المؤسسات.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من يملك زر التأثير المالي. بل متى يمتلك العراق مفاتيحه كاملة.

فالدول لا تتحرر عندما يضعف الخارج. بل عندما يقوى الداخل.
وهذه هي القضية.