صراع القطبين : هدنة على حافة الهاوية

علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي

ليست زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين مجرد لقاء بروتوكولي بين قطبين بل هي مشهد جيوسياسي نادر . قمة تُعقد في لحظة يشعر فيها الطرفان أنهما لم يعودا قادرين على هزيمة بعضهما لكنهما أيضاً غير قادرين على الانفصال. ما يجري في بكين هذه الأيام هو “هدنة على حافة الهاوية” محاولة يائسة لكتابة قواعد جديدة لصراع طويل الأمد قبل أن تنهار الطاولة بأكملها. لكن السؤال الجوهري الذي تبحث عنه مراكز الأبحاث والاستخبارات العالمية هو ماذا تريد الصين من ترامب فعلاً؟ وماذا يريد ترامب من الصين فعلاً؟

الصين لم تأتِ إلى هذه القمة وهي في موقع ضعف بل على العكس تماماً. قراءات مراكز الأبحاث الغربية مثل CSIS و Brookings تشير إلى أن بكين تعتقد جازمة أن الزمن يعمل لصالحها . وأن واشنطن جاءت إلى الطاولة وهي منهكة. بكين تريد من ترامب ثلاثة أشياء أساسية.
أولاً ضمانات تهدئة بشأن تايوان، فالخط الأحمر الحقيقي للصين هو ملف تايوان والتحذيرات التي نقلها المسؤولون الصينيون خلال القمة كانت شديدة الوضوح .أي سوء إدارة لهذا الملف قد يقود إلى صدام مباشر.

الصين تريد تجميد التحركات العسكرية الأمريكية في آسيا وترغب في الحصول على تعهدات أمريكية بعدم تجاوز الخطوط الحمراء مقابل تنازلات اقتصادية. ثانياً فك الحصار التكنولوجي.

قيادات من إنفيديا وشركات الرقائق الإلكترونية انضمت إلى الوفد الأمريكي في اللحظة الأخيرة وهذا لم يكن صدف الصين تريد تخفيف القيود الأمريكية على توريد الرقائق المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي أو على الأقل تأجيل تطبيق أقسى العقوبات حتى تكمل بكين بناء قدراتها المحلية.

ثالثاً تثبيت دور الصين كوسيط في الشرق الأوسط. الحرب الأمريكية الإيرانية استنزفت واشنطن واضطراب مضيق هرمز هدد إمدادات النفط التي تعتمد عليها الصين بشكل كبير. بكين تريد أن تعترف واشنطن ضمنياً بدورها كقناة اتصال مع طهران وأن تحصل على ضمانات بعدم استهداف مصالحها النفطية في الخليج.

باختصار الصين تريد من ترامب شيئاً واحداً كبيراً شراء الوقت. الوقت لتعزيز تفوقها التكنولوجي الوقت لتوسيع نفوذها في آسيا والوقت لمواصلة الصعود دون مواجهة عسكرية مباشرة.

على الجانب الآخر واشنطن لم تأتِ إلى بكين لتحقيق نصر ساحق بل لهدف أكثر تواضعاً بكثير “منع الانهيار” الوفد المرافق لترامب يضم إيلون ماسك وتيم كوك وقيادات من كبرى الشركات الأمريكية وهذه تركيبته ليست سياسية بحتة بل اقتصادية استثمارية. وهذا يكشف الحقيقة .أمريكا تحتاج إلى الصين. ترامب يريد من الصين ثلاثة أشياء.

أولاً تجنب انهيار اقتصادي عالمي. الصين هي المصدر الرئيسي للمعادن النادرة وسلاسل التوريد الحيوية. أي انقطاع في هذه السلاسل سيدمر الاقتصاد الأمريكي قبل أن يدمر الاقتصاد الصيني. واشنطن تريد اتفاقيات لشراء الصين مزيداً من المنتجات الزراعية والطائرات الأمريكية .وإنشاء “مجلس تجارة دائم” بين البلدين لمنع انفجار حرب تجارية جديدة. ثانياً تأمين أسواق الطاقة.

رغم أن ترامب قال علناً إن إيران “ليست محور الزيارة”فإن جميع التحليلات تؤكد أن ملف الخليج حاضر بقوة في الخلفية. واشنطن تحتاج إلى قنوات بكين مع طهران لمنع توسع الحرب إقليمياً. وإلى تنسيق غير معلن حول تهدئة بحرية في مضيق هرمز لضمان استمرار تدفق النفط. ثالثاً إنجاز سياسي داخلي. ترامب يواجه ضغوطاً داخلية هائلة بسبب الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية وتراجعاً في شعبيته قبل الانتخابات النصفية. هو بحاجة إلى “اختراق اقتصادي” سريع يبيعه للناخب الأمريكي .حتى لو كان هذا الاختراق مجرد هدنة مؤقتة مع الصين.

أبرز ما تتفق عليه قراءات مراكز الأبحاث الأمريكية والصينية معاً هو أن هذه القمة لا تمثل تسوية تاريخية . بل هدنة مؤقتة بين مشروعين عالميين متنافسين. أمريكا تريد إبطاء صعود الصين . لكنها تدرك أنها لم تعد قادرة على احتوائه عسكرياً أو اقتصادياً بمفردها، والصين تريد إعادة تشكيل النظام الدولي دون حرب شاملة لكنها تدرك أن وقت المواجهة المباشرة لم يحن بعد.

العالم دخل فعلياً مرحلة “التعددية القطبية المتوترة”. وأخطر ما تقوله بعض التقديرات الغربية وتحديداً من مجلس العلاقات الخارجية ودوائر الأمن القومي الأمريكي هو أن الصين قد تكون الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإيرانية.

حتى دون أن تطلق رصاصة واحدة. لأنها استفادت من استنزاف واشنطن وعززت دورها في الطاقة العالمية . وظهرت كقوة أكثر توازناً واستقراراً. المعركة القادمة لن تكون فقط على الأرض بل على الذكاء الاصطناعي . الرقائق الإلكترونية. الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية. زيارة ترامب إلى بكين هي اعتراف ضمني بأن العصر الأحادي انتهى .وأن الجميع يحاول فقط ركوب موجة الانهيار دون أن يغرق. السؤال الحقيقي ليس “من سيربح؟” بل “كم ستدوم هذه الهدنة؟”.