الإطار التنسيقي وإدارة المرحلة الجديدة!

سلام جاسم الطائي  كاتب وباحث سياسي

يشهد العراق مرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يفرض على القوى السياسية مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على الاستقرار وتعزيز الثقة بين الشركاء السياسيين. وفي هذا الإطار، جاء الاجتماع الذي عقده الإطار التنسيقي بحضور رئيس مجلس الوزراء ليؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب خطاباً سياسياً أكثر هدوءاً، ورؤية عملية تقوم على التفاهم والعمل المشترك بعيداً عن الصراعات التي تعيق مسار الدولة.

الاجتماع حمل أبعاداً سياسية تتجاوز الإطار التنظيمي التقليدي، إذ عكس رغبة واضحة في تثبيت حالة الاستقرار السياسي وإعادة بناء الثقة بين القوى الوطنية، باعتبار أن نجاح أي حكومة لا يرتبط فقط بقدرتها على إدارة الملفات اليومية، بل بقدرتها أيضاً على خلق بيئة سياسية متماسكة تدعم مسار الدولة وتحمي مؤسساتها من الاهتزازات والأزمات.

وفي هذا السياق، برز التأكيد على أهمية استكمال الكابينة الوزارية وفق السياقات الدستورية والتفاهمات الوطنية، بوصفه خطوة ضرورية لتعزيز فاعلية العمل الحكومي ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات التنفيذية، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين الخدمات وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي ينتظرها المواطن العراقي.

إن العراق اليوم بحاجة إلى مشروع اقتصادي وطني متكامل يعزز من قدراته الإنتاجية، ويفتح المجال أمام الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، سواء على المستوى الداخلي أو مع دول المنطقة والعالم. فتعزيز التعاون الاقتصادي لم يعد خياراً ثانوياً، بل يمثل ركيزة أساسية لحماية الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأن الاقتصاد القوي ينعكس بصورة مباشرة على فرص العمل والخدمات ومستوى معيشة المواطنين.

ومن هنا، فإن توسيع المشاريع الاستراتيجية في مجالات الطاقة والصناعة والإسكان والبنى التحتية والنقل، فضلاً عن دعم القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار، يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في بناء اقتصاد أكثر استقراراً واستقلالية. كما أن نجاح هذه المشاريع يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة وعلاقات قائمة على الثقة والتفاهم بين الشركاء السياسيين، بعيداً عن الخطابات التصعيدية أو محاولات إضعاف مؤسسات الدولة.

وفي جانب آخر، فإن حماية التجربة الديمقراطية العراقية أصبحت مسؤولية وطنية مشتركة، خصوصاً بعد سنوات طويلة من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فالعراق، رغم كل الصعوبات، استطاع أن يحافظ على مسار التداول السلمي للسلطة والاحتكام إلى الدستور والمؤسسات، وهو ما يمنحه خصوصية مهمة في المنطقة.

لكن هذه التجربة تحتاج إلى حماية حقيقية عبر تعزيز ثقة المواطن بالدولة، وترسيخ مبدأ الشراكة السياسية، واحترام نتائج العملية الديمقراطية، والعمل على تطوير الأداء الحكومي والتشريعي بما ينسجم مع تطلعات الشارع العراقي. كما أن القوى السياسية مطالبة اليوم بتقديم نموذج أكثر نضجاً في إدارة الخلافات، يقوم على الحوار والتفاهم لا على التصعيد والانقسام.

أما على المستوى الإقليمي، فإن تأكيد الإطار التنسيقي رفض أي اعتداء يستهدف دول الجوار أو الدول العربية، يعكس توجهاً نحو اعتماد سياسة متوازنة تحفظ للعراق علاقاته الإقليمية وتجنبه الدخول في صراعات المحاور. فاستقرار العراق يرتبط بشكل وثيق باستقرار المنطقة، وأي توتر إقليمي ينعكس بصورة مباشرة على الواقع الأمني والاقتصادي الداخلي.

وفي المحصلة، فإن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المشاريع، ومن الخلافات السياسية إلى تعزيز الشراكات الوطنية، لأن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى إلا عبر التفاهم والتكامل والعمل المشترك. وما يحتاجه العراقيون اليوم هو دولة قوية بمؤسساتها، مستقرة بقرارها، قادرة على حماية تجربتها الديمقراطية، وفتح أبواب التنمية والاقتصاد أمام الأجيال المقبلة