السيادة الاقتصادية… من الشعار إلى اختبار الدولة

الدكتور احمد علي الكناني
في احدى خطبه طرح سماحة الشيخ قيس الخزعلي ملف “السيادة الاقتصادية” بوصفه أحد أخطر ميادين الصراع التي تواجه العراق في إشارة تتجاوز المفهوم التقليدي للسيادة المرتبط بالأمن والعسكر لتدخل في عمق التحكم بالقرار المالي والنقدي للدولة. ولعل من أوائل الطروحات السياسية التي تناولت مفهوم «السيادة الاقتصادية» بشكل واضح ومباشر في العراق حين نقل النقاش من الإطار الأمني والعسكري التقليدي للسيادة إلى البعد المالي والنقدي متحدثًا عن تأثير الهيمنة على حركة الدولار وإدارة عائدات النفط والقرار الاقتصادي العراقي. وهو طرح يُحسب له بوصفه من الشخصيات السياسية القليلة التي وضعت هذا المفهوم ضمن النقاش العام بهذا الوضوح في وقت كانت أغلب الخطابات تركز على السيادة بمفهومها الأمني فقط.

واليوم مع تشكل الحكومة العراقية الجديدة وسط تحديات اقتصادية وضغوط مالية معقدة يعود هذا الطرح ليأخذ بعدًا أكثر واقعية وإلحاحًا.

فالعراق رغم امتلاكه ثروة نفطية هائلة ما يزال يتحرك داخل منظومة مالية دولية تجعل جزءًا مهمًا من قراره الاقتصادي مرتبطًا بالخارج وتحديدًا بالولايات المتحدة الأمريكية عبر آليات إدارة عائدات النفط والرقابة على التحويلات المالية ودور البنك الفدرالي الأمريكي في التحكم بحركة الدولار داخل العراق.

هذه الإشكالية ليست مجرد نظرية سياسية أو خطاب تعبوي بل واقع ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة عندما أدت القيود الأمريكية على التحويلات إلى اضطراب سعر صرف الدولار وارتفاع أسعار السلع داخل السوق العراقية ما كشف هشاشة البنية الاقتصادية المحلية واعتمادها شبه الكامل على الدولار والنظام المالي الأمريكي.

إن الحديث عن السيادة الاقتصادية هنا لا يعني الدعوة إلى القطيعة مع النظام المالي العالمي ولا الانعزال عن الاقتصاد الدولي بل يعني امتلاك العراق قدرة حقيقية على حماية قراره المالي من الضغوط السياسية الخارجية وتنويع أدواته الاقتصادية بما يمنع تحويل لقمة المواطن إلى ورقة ضغط دولية.

الحكومة الجديدة اليوم أمام اختبار حقيقي:
هل ستبقى إدارة الاقتصاد قائمة على ردود الأفعال المؤقتة أم تتجه نحو بناء استراتيجية سيادية طويلة الأمد؟

فالسيادة الاقتصادية لا تتحقق بالشعارات فقط بل عبر خطوات عملية، منها:

* تقليل الاعتماد المفرط على الدولار في السوق المحلية.
* تنشيط القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة بدل الاقتصاد الريعي.
* بناء نظام مصرفي أكثر استقلالًا وكفاءة.
* تنويع الشراكات الاقتصادية وعدم حصرها بطرف دولي واحد.
* استعادة الثقة بالمصارف العراقية ومنع تهريب العملة.

كما أن أي حديث عن السيادة يبقى ناقصًا ما لم تقترن به إدارة رشيدة للمال العام ومحاربة حقيقية للفساد لأن الفساد الداخلي غالبًا ما يكون البوابة التي تتسلل منها الهيمنة الخارجية.

التحدي الأكبر أن العراق يعيش معادلة معقدة فهو بحاجة إلى الانفتاح على العالم والاستفادة من النظام المالي الدولي لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى حماية قراره الوطني من التأثيرات السياسية والاقتصادية الخارجية. وهذه المعادلة تحتاج إلى عقل دولة لا إلى ردود فعل سياسية آنية.

لذلك، فإن إعادة طرح مفهوم “السيادة الاقتصادية” بعد تشكيل الحكومة الجديدة يجب ألا يُفهم كجزء من السجال السياسي فقط بل كدعوة لإعادة تعريف مفهوم الاستقلال الوطني في عصر أصبحت فيه أدوات النفوذ تمر عبر البنوك والتحويلات المالية وأسواق الطاقة أكثر مما تمر عبر الجيوش والسلاح.

فالدول اليوم قد لا تُحتل بالدبابات… لكنها قد تُقيَّد بالديون والدولار وأنظمة التحويل المالي