علي كريم إذهيب – صحافي وباحث اقتصادي
في أسواق بغداد ومجمّعاتها التجارية وشركاتها الخاصة، تتكرر يومياً مشاهد تبدو اعتيادية للمتسوق أو الزائر، لكنها تحمل خلفها واقعاً اقتصادياً واجتماعياً مختلفاً. شباب وشابات يقفون لساعات طويلة في محال السيارات والإلكترونيات والفنادق والنوادي الترفيهية وبعض المولات والمشاريع التجارية، يبدأ يومهم صباحاً ولا ينتهي إلا ليلاً. وبين قانون العمل المكتوب على الورق، والواقع الذي يفرضه السوق، تتسع فجوة تثير أسئلة عن حقوق العامل العراقي ومستقبل بيئة العمل في القطاع الخاص.
من المهم التوضيح أن الحديث هنا لا يشمل جميع شركات القطاع الخاص؛ فهناك شركات ومؤسسات عراقية تحترم القانون وتلتزم بمعايير العمل وساعات الدوام وتمنح موظفيها امتيازات تحفظ كرامتهم. لكن في المقابل، توجد شركات أخرى جعلت من ساعات العمل المفتوحة قاعدة شبه ثابتة، بحيث يتحول الدوام من ثماني ساعات إلى عشر أو اثنتي عشرة ساعة يومياً، أحياناً دون مقابل إضافي واضح أو حقوق مضمونة.
في شركات بيع السيارات والإلكترونيات وبعض الفنادق والنوادي الترفيهية، تتحدث شكاوى موظفين عن دوام يمتد من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً، وربما أكثر في مواسم العمل أو المناسبات الخاصة. وعلى الرغم من أن بعض الإدارات تبرر ذلك بضغط السوق أو متطلبات المنافسة، إلا أن هذا النمط يخلق بيئة استنزاف مستمرة للعامل، خصوصاً للشباب في بداية حياتهم المهنية.
وتبدو الصورة أكثر وضوحاً في بعض الشوارع التجارية داخل بغداد، وتحديداً في مناطق مثل الكرادة داخل أو المولات التجارية. عشرات الشباب والشابات يعملون في تسويق العطور ومستحضرات التجميل عبر منصات عرض صغيرة موزعة على الممرات أو الأرصفة التجارية. يبدأ الدوام غالباً عند التاسعة صباحاً، ويستمر حتى التاسعة مساءً، وقد يمتد إلى الحادية عشرة ليلاً عند موعد إغلاق المول أو بسبب قلة الحركة التجارية في الشارع.
المفارقة أن هذا الجهد الطويل قد ينتهي بأجر يومي لا يتجاوز 12 ألف دينار، وفي أفضل الحالات 15 ألف دينار فقط. أي أن العامل الذي يقف أكثر من 12 ساعة يومياً قد يعود إلى منزله بأجر لا يتناسب مع الوقت أو الجهد أو حتى تكاليف النقل والطعام. وهنا يتحول العمل من فرصة اقتصادية إلى معادلة قاسية: ساعات أطول مقابل دخل محدود.
اقتصادياً، لا تتوقف آثار هذه الممارسات عند حدود العامل نفسه. فالإرهاق المستمر ينعكس على الإنتاجية، ويزيد معدلات الاحتراق الوظيفي، ويؤدي إلى ارتفاع نسب ترك الوظائف والتنقل السريع بين الأعمال. وفي الأسواق الحديثة، تُعد بيئة العمل الصحية جزءاً من رأس المال البشري، وليس مجرد رفاهية إدارية.
أما قانونياً، فإن قانون العمل العراقي وضع إطاراً واضحاً لتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل. إذ يحدد قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 ساعات العمل اليومية بثماني ساعات كحد أقصى أو 48 ساعة أسبوعياً، مع تنظيم العمل الإضافي وفق ضوابط محددة وتعويضات مالية عند تجاوز الساعات القانونية. كما يضمن القانون حق العامل في الراحة والإجازات وظروف العمل الآمنة ويحاول خلق توازن بين متطلبات السوق وحقوق الإنسان العامل.
ولا يتوقف الأمر عند الشركات التجارية فقط، بل تمتد الشكاوى إلى بعض المصارف الأهلية العراقية. فبحسب روايات موظفين، تلجأ بعض المصارف إلى تشغيل موظفيها يوم السبت، رغم اعتباره عطلة وفق تعليمات العمل المعتمدة لديها، عبر إبقاء أبواب المصرف مغلقة أمام الجمهور أثناء وجود الموظفين في الداخل، تجنباً لظهور أي نشاط قد تلاحظه جهات رقابية أو لجان تفتيشية.
وتثير هذه الممارسات تساؤلات عن مدى الالتزام الحقيقي بالتعليمات التنظيمية الخاصة بعمل القطاع المصرفي. فقانون المصارف والتعليمات الصادرة عن البنك المركزي العراقي تنظم أيام وساعات العمل للمصارف وتُلزم المؤسسات المصرفية بالتقيد بالعطل التي يحددها البنك المركزي والجهات المختصة. كما أن فتح أو تشغيل الأعمال خارج تلك الأطر يخضع لإجراءات وتعليمات محددة.
صحيح أن البنك المركزي أصدر في بعض الفترات قرارات استثنائية تخص العمل أيام السبت لاعتبارات مصرفية خاصة ومحددة، لكنها كانت ترتبط بظروف وإجراءات معلنة وليست قاعدة عامة دائمة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يخالف القانون؟ بل: من يراقب تطبيقه؟ فالعراق الذي يسعى إلى تنشيط القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على الوظيفة الحكومية، يحتاج بالتوازي إلى بناء سوق عمل يحفظ حقوق العامل قبل البحث عن الأرباح. لأن القطاع الخاص لا يُقاس بعدد الشركات التي تُفتح، بل بمدى احترامها للإنسان الذي يقف خلف المبيعات والخدمات والأرقام.
في النهاية، قد تُغلق أبواب بعض المؤسسات عند مرور لجان التفتيش، لكن الإرهاق الذي يحمله العامل إلى منزله كل ليلة لا يمكن إخفاؤه خلف باب مغلق.

