بين «غير قابل للرد» و «سيُعاد لاحقًا».. تناقض رسوم الحج يثير الجدل ومواطنون: لماذا ندفع 50 ألف دينار قبل معرفة النتائج؟

خاص | شبكة إنماز نيوز

أطلقت الهيئة العليا للحج والعمرة، الاثنين، رابط التقديم الإلكتروني لقرعة الحج للأعوام 2027 (التكميلية) و2028 و2029 و2030 عبر بوابة “أور” الحكومية، إلا أن انطلاق التسجيل رافقه جدل واسع بعد ظهور تناقض واضح بين التعليمات المنشورة في منصة التقديم والبيان الرسمي الصادر عن الهيئة بشأن رسوم التسجيل البالغة 50 ألف دينار.

ففي بيان رسمي، أكدت الهيئة أن مبلغ الخدمات الإدارية والتقنية البالغ 50 ألف دينار سيُعاد بالكامل إلى جميع المتقدمين الذين لم يحالفهم الحظ في القرعة، بعد إعلان النتائج ووفق آلية سيتم الإعلان عنها لاحقًا، مؤكدة أن عملية الاسترجاع ستتم “بكل شفافية” لضمان حقوق المتقدمين.

إلا أن مراجعة شروط التقديم المنشورة في «بوابة أور» الحكومية تكشف نصًا مختلفًا تمامًا، إذ جاء فيها أن “يدفع المتقدم مبلغ (50,000) خمسون ألف دينار عراقي غير قابل للرد لأجور خدمات إدارية خاصة بهيئة الحج والعمرة”، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع مضمون البيان الرسمي، ويضع المواطنين أمام تعليمات متناقضة صادرة عن جهتين تمثلان المنصة نفسها.

هذا التناقض أثار حالة من الإرباك بين الراغبين بالتقديم، وسط تساؤلات عن الجهة التي يعتمد عليها المواطن، هل هي شروط المنصة الإلكترونية التي يوقع على أساسها طلب التقديم، أم البيان الإعلامي الذي صدر بعد إطلاق الرابط؟

اقتصاديًا، يرى الباحث الاقتصادي علي كريم إذهيب أن القضية لا تتعلق بقيمة الرسم فقط، وإنما بحجم الأموال التي ستُجمع خلال أيام معدودة. ويوضح أن الحصة الرسمية للعراق من الحج تبلغ 33,690 حاجًا وفق التوزيع المعتمد من المملكة العربية السعودية، بينما يتوقع أن يتجاوز عدد المتقدمين عشرات الآلاف، وربما أكثر من مئة ألف شخص كما جرت العادة في مواسم سابقة.

ويضيف إذهيب أنه إذا افترضنا تسجيل 50 ألف متقدم فقط، فإن الهيئة ستستحصل 2.5 مليار دينار عراقي من رسوم التقديم، أما إذا ارتفع العدد إلى 100 ألف متقدم فإن المبلغ سيصل إلى 5 مليارات دينار، وهي أموال كبيرة ستبقى مجمعة لحين إعلان النتائج وإعادة الجزء الأكبر منها إلى غير الفائزين، بحسب ما أعلنته الهيئة.

ويشير إلى أن الجدل لا يقتصر على استرجاع الأموال، بل يمتد إلى غياب جدول زمني واضح لإعادتها، وعدم توضيح آلية الإرجاع أو الحسابات التي ستودع فيها تلك المبالغ خلال فترة الانتظار، وهو ما يتطلب شفافية أكبر من الجهات المعنية.

وفي استطلاع لآراء عدد من المواطنين، قال أبو زيد الكعبي (58 عامًا)، وهو موظف متقاعد، إن مبلغ 50 ألف دينار قد يبدو بسيطًا للبعض، لكنه يمثل عبئًا على الكثير من العائلات العراقية، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

وأضاف: “إذا كانت القرعة تعتمد على الحظ، فلماذا يُلزم المواطن بدفع هذا المبلغ أصلًا؟ وإذا كانت الهيئة ستعيد الأموال، فمن الأفضل أن يكون الاستقطاع من الفائزين فقط بعد إعلان النتائج، بدل تحميل الجميع كلفة التسجيل.”

من جانبها، تقول أم محمد التميمي (46 عامًا)، وهي ربة منزل ترغب بالتسجيل للحج مع زوجها، إن العائلة ستدفع 100 ألف دينار لمجرد التقديم، من دون أي ضمان للفوز.

وأضافت: “البيان يقول إن الأموال تُعاد، لكن منصة أور تقول إنها غير قابلة للرد. المواطن يريد جوابًا واحدًا وواضحًا، لأن التناقض يخلق الشك ويجعل الناس تتردد في التقديم.”

ويرى مختصون في الشأن الإداري أن المشكلة الأساسية لا تكمن في استيفاء الرسم بحد ذاته، بل في تضارب المعلومات الرسمية، إذ يفترض أن تكون جميع المنصات الحكومية متطابقة في التعليمات والشروط، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باستيفاء مبالغ مالية من المواطنين.

ويؤكد مراقبون أن معالجة هذا الجدل لا تحتاج إلى بيانات إعلامية فقط، بل إلى تحديث فوري لشروط التقديم في بوابة “أور” إذا كان قرار الهيئة بالفعل يقضي بإعادة الأموال، حتى لا يبقى المواطن بين وثيقة رسمية تؤكد أن الرسم “غير قابل للرد”، وبيان رسمي يقول إنه “سيُعاد بالكامل”.

وفي ظل استمرار فتح باب التسجيل، تتجه الأنظار إلى الهيئة العليا للحج والعمرة لإصدار توضيح نهائي يحسم هذا التضارب، ويحدد بشكل دقيق الوضع القانوني لرسم الـ50 ألف دينار، وآلية استرداده، والمدة الزمنية اللازمة لإعادته، بما يضمن الشفافية ويعزز ثقة المواطنين بالإجراءات الحكومية.

ويبقى السؤال الذي يطرحه آلاف المتقدمين: إذا كانت رسوم التسجيل ستُعاد أصلًا إلى غير الفائزين، فلماذا لا تُصحح شروط منصة “أور” فورًا، وتُزال عبارة “غير قابل للرد” التي أثارت كل هذا الجدل؟ فالإجابة الواضحة قد تكون أكثر أهمية من أي بيان لاحق، لأنها تمس حقوق المواطنين وثقتهم بالمؤسسات الرسمية.