د.احمد الكناني – سفير عراقي
أثبتت الاحداث الإقليمية الأخيرة ولا سيما التهديدات المتكررة التي تطال الملاحة في مضيق هرمز أن أمن تصدير النفط لم يعد قضية فنية أو تجارية فحسب بل أصبح جزءاً من الأمن القومي للدول المنتجة.
والعراق الذي تعتمد موازنته العامة بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية يجد نفسه أمام سؤال استراتيجي لا يحتمل التأجيل: هل من الحكمة استمرار الاعتماد على منفذ تصدير واحد أم أن الوقت قد حان لتنويع منافذ التصدير مهما كانت الكلفة؟
إن أكثر من 85% من صادرات العراق النفطية تنطلق من موانئ البصرة عبر الخليج العربي أي أنها تمر عملياً بمضيق هرمز وهذا يعني أن أي أزمة عسكرية أو أمنية أو حتى توتر سياسي قد يؤدي إلى تعطيل جزء كبير من صادرات العراق وما يترتب على ذلك من خسائر مالية هائلة قد تصل إلى مليارات الدولارات خلال أيام قليلة.
ومن هنا عاد الحديث عن مشروعين استراتيجيين أولهما إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس عبر الأراضي السورية والثاني إنشاء أنبوب البصرة – العقبة عبر الأراضي الأردنية.
أولاً: خط كركوك – بانياس
يمثل هذا الخط أحد أهم المشاريع التي كان العراق يعتمد عليها تاريخياً قبل توقفه منذ عقود. وتكمن أهميته في أنه يوفر منفذاً مباشراً على البحر المتوسط بعيداً عن مضيق هرمز فضلاً عن أن إعادة تأهيله قد تكون أقل كلفة من إنشاء خط جديد بالكامل.
لكن هذا الخيار ما زال يواجه جملة من التحديات إلا أنها تختلف عن السابق فمع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا ووجود انفتاح ودعم دولي متزايد تجاه السلطة الجديدة أصبحت فرص إعادة إحياء المشروع أكبر مما كانت عليه في السنوات الماضية ومع ذلك تبقى هناك تحديات تتعلق باستقرار الأوضاع الأمنية وتأمين مسار الأنبوب وإعادة تأهيل البنية التحتية فضلاً عن الحاجة إلى تفاهمات سياسية واقتصادية تضمن استدامة المشروع.
إن إعادة إحياء خط كركوك – بانياس قد تمثل اليوم فرصة استراتيجية للعراق ليس فقط لأنها توفر منفذاً على البحر المتوسط بل لأنها قد تكون أقل كلفة وأسرع إنجازاً من إنشاء خطوط جديدة إذا ما أثبتت الدراسات الفنية أن إعادة التأهيل مجدية اقتصادياً.
ثانياً: أنبوب البصرة – العقبة
هذا المشروع أثار منذ طرحه جدلاً واسعاً ليس بسبب مبدأ تنويع منافذ التصدير وإنما بسبب الجدوى الاقتصادية وشروطه المالية.
فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن كلفة المشروع قد تصل إلى نحو تسعة مليارات دولار أو أكثر بحسب المواصفات النهائية وهو مبلغ كبير يتطلب دراسة دقيقة لمعدل العائد الاقتصادي مقارنة بكلفته.
كما أن أحد أبرز الاعتراضات يتمثل في منح الأردن كميات من النفط بأسعار تفضيلية تقل عن السعر العالمي إضافة إلى تحمل العراق كلف الإنشاء والصيانة والحماية الأمر الذي دفع كثيراً من الخبراء إلى التساؤل: هل سيحقق المشروع منفعة اقتصادية صافية للعراق أم أن فوائده ستكون استراتيجية وسياسية أكثر منها مالية؟
ومن زاوية اقتصادية بحتة فإن انخفاض كلفة النقل أو الحصول على منفذ إضافي لا يكفي وحده لتبرير المشروع إذا كانت الامتيازات الممنوحة للطرف الآخر تؤدي إلى تقليص الإيرادات النفطية على المدى الطويل.
بين الجدوى الاقتصادية والأمن الاستراتيجي
من الخطأ تقييم مشاريع الأنابيب بمعيار الربح المباشر فقط لأن قيمة وجود منفذ تصدير بديل لا تُقاس في الظروف الطبيعية وإنما تظهر أهميته عند وقوع الأزمات.
فقد يخسر العراق خلال أسبوع واحد من توقف الصادرات عبر الخليج ما يفوق كلفة إنشاء بعض خطوط الأنابيب. لذلك فإن وجود أكثر من منفذ للتصدير يمثل نوعاً من “التأمين الاستراتيجي” للاقتصاد الوطني.
لكن في المقابل فإن الأمن الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون مبرراً لقبول عقود غير متوازنة أو امتيازات مالية مبالغ فيها. فكل دولار يُمنح كخصومات أو إعفاءات أو التزامات طويلة الأمد يجب أن يخضع لحسابات اقتصادية دقيقة وأن يقارن بالعوائد الفعلية للمشروع.
ما الذي يحتاجه العراق؟
العراق لا يحتاج إلى مشروع واحد بل إلى استراتيجية وطنية متكاملة لتنويع منافذ التصدير تشمل:
* إعادة تقييم جميع خطوط الأنابيب التاريخية وفي مقدمتها كركوك – بانياس وكركوك – جيهان.
* دراسة مشروع البصرة – العقبة بمنهج اقتصادي شفاف بعيداً عن التجاذبات السياسية.
* إنشاء منظومة منافذ متعددة تمنع احتكار مسار واحد للصادرات.
* نشر دراسات الجدوى الاقتصادية للرأي العام بما يعزز الثقة ويمنع الجدل القائم على التخمينات.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل يحتاج العراق إلى منافذ جديدة لتصدير النفط؟ بل أي منفذ يحقق أعلى مستوى من الأمن الاستراتيجي بأقل كلفة اقتصادية؟
فالدول الرشيدة لا تبني مشاريعها تحت ضغط الأزمات وإنما تستبق المخاطر بالتخطيط السليم أما العراق فإن حاجته اليوم ليست إلى زيادة عدد الأنابيب فحسب بل إلى بناء سياسة وطنية تجعل قرار تصدير النفط قائماً على مصلحة العراق الاقتصادية أولاً بعيداً عن الضغوط السياسية أو الحسابات الآنية.
فكل مشروع استراتيجي يجب أن يخضع لقاعدة واحدة المصلحة الوطنية تقاس بالأرقام قبل الشعارات وبالعائد الاقتصادي قبل العناوين.

