حليم سلمان – كاتب عراقي
لم يُعد الفساد مجرد مخالفة قانونية، أو انحرافًا إداريًا، بل أصبح أحد أخطر معوقات التنمية الاقتصادية واستنزاف الموارد العامة. لذلك فإن أية حملة جادة لمكافحة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، تمثل خطوة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين بالدولة.
إن استعادة الأموال العامة لا تقتصر أهميتها على قيمتها المالية، بل تحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة قادرة على حماية المال العام وملاحقة المتجاوزين عليه، وهو ما يرسخ هيبة القانون ويؤسس لبيئة اقتصادية أكثر استقرارًا وعدالة.
تؤكد الرؤى الاقتصادية أن الأموال المستردة يمكن أن تتحول إلى مصدر تمويل حقيقي للمشروعات التنموية، فتخفف الضغط عن الموازنة العامة، وتقلل الحاجة إلى الاقتراض، وتوفر موارد إضافية لتطوير البنية التحتية، ودعم قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الأساسية. كما أن إعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية الرسمية تنشط الاستثمار الحكومي، وتسهم في تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل إذا ما وُجهت نحو مشروعات إنتاجية ذات أثر مستدام.
إن النجاح في مكافحة الفساد لا يقاس بعدد الملفات المفتوحة، أو الأشخاص الذين تتم محاسبتهم فحسب، وإنما بحجم الأموال التي تعود إلى خزينة الدولة، وبقدرة المؤسسات على منع تكرار الهدر، من خلال إصلاحات تشريعية ورقابية وإدارية تعزز الشفافية والحوكمة الرشيدة.
العراق اليوم بحاجة إلى أن تتحول مكافحة الفساد إلى مشروع وطني دائم، لا إلى حملات موسمية، فكل دينار يُستعاد هو دينار يعود لخدمة المواطن، وكل قضية فساد تُغلق بالقانون تعني فرصة جديدة للاستثمار والتنمية. وعندما يشعر المستثمر المحلي والأجنبي بأن المال العام مصان، وأن القانون يُطبق على الجميع، فإن بيئة الأعمال تصبح أكثر جذبًا، وتزداد فرص النمو الاقتصادي.
صولة القبض على الفاسدين الحقيقية ليست في استرداد الأموال وحدها، بل في بناء دولة تؤمن بأن التنمية تبدأ من حماية المال العام، وأن الاقتصاد القوي لا يمكن أن يقوم على موارد مهدورة أو فساد بلا حساب.

