علي قاسم – كاتب سياسي عراقي
نادراً ما تُقاس أهمية قمم حلف شمال الأطلسي بما يصدر عنها من بيانات ختامية فقط. فغالباً ما تكشف التحولات الحقيقية في توزيع الأدوار بين الحلفاء. وفي بعض الأحيان. تكون الرسائل غير المعلنة أكثر تأثيراً من القرارات الرسمية. وهذا ما يجعل قمة الناتو الأخيرة محطة تستحق قراءة تتجاوز تفاصيل الاتفاقيات العسكرية إلى محاولة فهم الاتجاه الذي تتحرك نحوه المنطقة بأكملها.
فالشرق الأوسط لا يعيش مجرد أزمة عابرة. بل يمر بمرحلة إعادة تشكيل لتوازنات القوة. فالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة. وإيران من جهة أخرى. وما تبعها من تراجع في النفوذ الإيراني في عدد من الساحات. إضافة إلى التحولات التي شهدتها سوريا. كلها دفعت المنطقة إلى البحث عن معادلة أمنية مختلفة عما عرفته خلال العقدين الماضيين.
في الوقت ذاته. تبدو الولايات المتحدة منشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. فالتنافس مع الصين بات يمثل التحدي الأكبر لصناع القرار في واشنطن. بينما تواصل الحرب في أوكرانيا استنزاف القدرات الأوروبية. وفي ظل هذه البيئة الدولية الجديدة. لم يعد من السهل على الولايات المتحدة أن تستمر في إدارة كل تفاصيل الأمن في غرب آسيا بالطريقة نفسها التي اتبعتها منذ نهاية الحرب الباردة.
حين تتغير أولويات القوى الكبرى. لا يبقى الفراغ طويلاً. فالجغرافيا السياسية لا تعترف بالمساحات الخالية. وكل تراجع في دور قوة كبرى يفتح المجال أمام قوة أخرى تمتلك القدرة على ملء الفراغ. والسؤال الذي بدأ يفرض نفسه بعد قمة الناتو ليس ما إذا كانت واشنطن ستنسحب من الشرق الأوسط. بل من هي الدولة القادرة على تحمل جزء متزايد من الأعباء الأمنية دون أن تخرج عن الإطار الاستراتيجي الغربي.
في هذا السياق. تبدو تركيا الدولة الأكثر اكتمالاً من حيث عناصر القوة. فهي عضو في حلف الناتو. وتمتلك ثاني أكبر جيش فيه. كما استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء قاعدة صناعية دفاعية أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة التسليح الغربية. فضلاً عن خبرة عملياتية واسعة اكتسبتها في سوريا والعراق وليبيا والقوقاز. إضافة إلى موقع جغرافي يجعلها البوابة الطبيعية بين أوروبا وغرب آسيا.
ولذلك لم يكن لافتاً حجم الاهتمام الذي حظيت به أنقرة خلال قمة الناتو بقدر ما كان لافتاً نوعية الرسائل التي خرجت منها. فتعزيز التعاون الدفاعي. والحديث عن إعادة تنشيط ملفات عسكرية كانت مجمدة. والإقرار المتزايد بأهمية الصناعات الدفاعية التركية. كلها مؤشرات توحي بأن مكانة تركيا داخل الحلف لم تعد تُقاس فقط بوصفها دولة عضو. بل بوصفها شريكاً تزداد الحاجة إليه مع اتساع الأزمات الإقليمية.
لكن أهمية القمة لا تتوقف عند حدود العلاقة بين أنقرة والحلف. بل تمتد إلى التحركات التي سبقتها. فقد شهدت الأسابيع الماضية نشاطاً تركياً ملحوظاً في العراق وسوريا. وتكثفت اللقاءات الأمنية والسياسية المرتبطة بملفات الحدود والاستقرار الإقليمي. كما تزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية سورية تجاه لبنان. ومع تصاعد الحديث عن أدوار جديدة قد تضطلع بها دمشق في المرحلة المقبلة. وإذا نُظر إلى هذه التطورات مجتمعة. فإنها تبدو أقرب إلى حلقات في سياق واحد منها إلى أحداث منفصلة.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن البيئة الإقليمية الأوسع. فتراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات خلق فراغاً سياسياً وأمنياً. بينما أدى تصاعد النفوذ الإسرائيلي إلى زيادة القلق لدى عدد من الدول العربية من احتمال اختلال ميزان القوى بصورة دائمة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية. لا تبحث الدول عادة عن حليف جديد بقدر ما تبحث عن قوة إقليمية قادرة على إعادة إنتاج التوازن.
هنا تبرز تركيا بوصفها مرشحاً يختلف عن بقية القوى الإقليمية. فهي ليست مجرد دولة إسلامية ذات ثقل عسكري. وليست مجرد عضو في الناتو. بل تجمع بين الانتماء إلى المنظومة الغربية. والقدرة على العمل داخل البيئة الإقليمية. والامتلاك الفعلي لأدوات القوة الصلبة. وهي معادلة لا تتوافر بالدرجة نفسها لدى أي دولة أخرى في المنطقة.
ولعل ذلك يفسر تنامي التقاطعات بين أنقرة وعدد من العواصم العربية خلال السنوات الأخيرة. فبعد مرحلة طويلة من التنافس السياسي. اتجهت العلاقات نحو قدر أكبر من البراغماتية. وأصبحت المصالح الأمنية تتقدم تدريجياً على الخلافات السابقة. ولا يعني ذلك قيام تحالف معلن أو انتقال المنطقة إلى محور جديد. بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن البيئة الأمنية الإقليمية دخلت مرحلة مختلفة تتطلب أدوات مختلفة.
ومن هذه الزاوية. تبدو فكرة “المرتكز الأمني الإقليمي السني” أقرب إلى توصيف لوظيفة استراتيجية منها إلى توصيف لقيادة سياسية أو دينية. فالمقصود ليس انتقال الزعامة إلى أنقرة. وإنما احتمال تشكل نموذج جديد لتقاسم الأدوار. تتولى فيه تركيا توفير الثقل العسكري والصناعي والأمني. بينما تستند المنظومة إلى العمق الاقتصادي والسياسي الذي تمثله دول الخليج. مع بقاء الشراكة الغربية مظلة استراتيجية عامة.
ولا يقتصر هذا الاحتمال على إعادة ترتيب العلاقات بين الدول السنية فحسب. بل يمتد إلى طبيعة التوازن مع إيران وإسرائيل معاً. فمن جهة. تمثل تركيا الدولة الإقليمية الوحيدة التي تمتلك المقومات العسكرية والسياسية الكافية لخلق توازن مع النفوذ الإيراني إذا استمر تراجعه أو حاول إعادة بناء نفسه. ومن جهة أخرى. فإن تعاظم الدور التركي قد يشكل في الوقت نفسه عامل توازن أمام أي محاولات لفرض ترتيبات إقليمية أحادية لا تراعي مصالح بقية القوى.
ولا يعني ذلك أن المنطقة أصبحت أمام مشروع مكتمل المعالم. أو أن ثمة تفاهمات معلنة لإعادة توزيع الأدوار. فالكثير من التحولات الكبرى تبدأ بتغيرات هادئة في موازين القوة قبل أن تتحول لاحقاً إلى حقائق سياسية. كما أن جزءاً مهماً من السياسة الدولية يُدار عبر التفاهمات الضمنية أكثر مما يُدار عبر الإعلانات الرسمية.
ولهذا. قد لا تكون قمة الناتو الأخيرة مجرد محطة عسكرية في سجل الحلف. بل ربما تُسجل مستقبلاً بوصفها لحظة بدأت فيها ملامح نظام أمني مختلف في غرب آسيا بالظهور. نظام لا يقوم على انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. ولا على استمرار حضورها المباشر بالشكل التقليدي. وإنما على نقل جزء متزايد من مسؤوليات الأمن إلى قوة إقليمية حليفة تمتلك القدرة والإرادة معاً.
ويبقى السؤال مفتوحاً. هل كانت قمة الناتو مجرد مناسبة لتعزيز مكانة تركيا داخل الحلف. أم أنها كانت بداية انتقال هادئ لأنقرة من موقع الحليف العسكري إلى موقع المرتكز الأمني الإقليمي في الفضاء السني. ذلك سؤال قد لا تجيب عنه البيانات الرسمية. لكن مسار الأحداث خلال السنوات القليلة المقبلة سيكون كفيلاً بتقديم الإجابة.

