علي قاسم – كاتب سياسي عراقي
لم تختف الجغرافيا يوماً عن خرائط العالم. لكنها كثيراً ما غابت عن حسابات السياسة. فبعد نهاية الحرب الباردة. بدا أن الأسواق المفتوحة. والعولمة. والتكنولوجيا. قادرة على تقليص أهمية الموقع الجغرافي. وأن النفوذ بات يُقاس بحجم الاقتصاد والقدرة العسكرية أكثر مما يُقاس بالممرات والحدود. غير أن العقد الأخير كشف عن صورة مختلفة. فكلما اشتدت المنافسة بين القوى الكبرى. استعادت الجغرافيا قيمتها القديمة. لا بوصفها مساحة على الخريطة. وإنما بوصفها أداة لإعادة توزيع القوة.
من هذه الزاوية يمكن قراءة التحول الذي شهدته تركيا. فالسؤال لم يعد لماذا توسع الدور التركي. وإنما لماذا أصبحت القوى الكبرى تنظر إلى تركيا بوصفها عقدة يصعب تجاوزها. هل تغيرت أنقرة وحدها. أم أن العالم هو الذي أعاد اكتشاف موقعها.
يصعب فهم هذا التحول من دون العودة إلى العقدين الماضيين. ففي مطلع الألفية الجديدة كانت السياسة التركية تتجه غرباً. وكانت عضوية الاتحاد الأوروبي تمثل الهدف الأكبر لأنقرة. غير أن تعثر مفاوضات الانضمام. وتصاعد الخلافات مع العواصم الأوروبية. ثم اندلاع الثورات العربية. والحرب السورية. والأزمة الأوكرانية. أعادت رسم البيئة الاستراتيجية المحيطة بتركيا. ومع كل أزمة كانت الجغرافيا تستعيد جزءاً من قيمتها.
في الوقت نفسه. كانت الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها العالمية. ولم يكن هذا التحول نتيجة خطة متكاملة بقدر ما كان استجابة لمجموعة من الضغوط المتراكمة. حروب العراق وأفغانستان أظهرت حدود القوة العسكرية التقليدية. والرأي العام الأمريكي أصبح أكثر تحفظاً تجاه الانخراط في حروب طويلة. بينما فرض صعود الصين على واشنطن إعادة توجيه مواردها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي ظل هذه المتغيرات برز سؤال مختلف. من يستطيع أن يتحمل جزءاً من أعباء إدارة التوازنات في غرب آسيا من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى توسيع حضورها العسكري المباشر.
هنا عادت تركيا إلى الواجهة. ليس لأنها الدولة الوحيدة القادرة على أداء هذا الدور. وإنما لأنها تمتلك مجموعة من الخصائص يصعب جمعها في دولة أخرى. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي. وتطل على البحر الأسود. وتشرف على مضيقي البوسفور والدردنيل. وترتبط بحدود مع سوريا والعراق وإيران والقوقاز. وتمثل معبراً بين أوروبا وآسيا. كما تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية توسعت بصورة ملحوظة خلال العقدين الأخيرين.
لكن هذه القراءة تظل ناقصة إذا افترضت أن تركيا أصبحت لاعباً حراً يستطيع التحرك بلا قيود. فالواقع أكثر تعقيداً. أنقرة ما زالت تواجه تحديات داخلية تتعلق بالاقتصاد والتضخم والاستقطاب السياسي. كما أن علاقاتها مع واشنطن وموسكو وبروكسل تتأرجح بين التعاون والتنافس. وهذا يعني أن صعود الدور التركي لا يعكس صعوداً مطلقاً. وإنما ارتفاعاً في قيمة موقعها داخل بيئة دولية أكثر اضطراباً.
ويظهر ذلك بوضوح في ملف الممرات. فخلال السنوات الأخيرة تصاعد الحديث عن الممر الأوسط الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بتركيا ثم أوروبا. كما برزت مشاريع تربط الخليج بالعراق وتركيا وصولاً إلى البحر المتوسط. غير أن هذه المشاريع لا تزال تواجه عقبات سياسية وأمنية ولوجستية كبيرة. فالحديث عن الممرات أسهل كثيراً من تحويلها إلى واقع مستقر. ويكفي النظر إلى التحديات التي تواجه طريق التنمية العراقي. أو إلى تعقيدات المشهد السوري. أو إلى التنافس في جنوب القوقاز. لإدراك أن الجغرافيا تمنح الفرص. لكنها لا تضمن نجاحها.
لهذا لا ينبغي المبالغة في الحديث عن تراجع أهمية مضيق هرمز أو أي ممر تقليدي خلال سنوات قليلة. فالممرات الجديدة قد تقلل من الاعتماد على مسار واحد. لكنها لن تلغي الوزن الاستراتيجي للمضائق البحرية التي ما زالت تتحكم بجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. والسياسة الدولية لا تستبدل عقدة جغرافية بأخرى بسهولة. وإنما تضيف مسارات جديدة لتقليل المخاطر وتوزيع النفوذ
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ. فهي تمنح الفرصة. لكنها لا تضمن حسن استثمارها. والتجربة التركية تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فأنقرة تمكنت خلال العقدين الأخيرين من توسيع صناعاتها الدفاعية. وزيادة حضورها الاقتصادي. وبناء شبكة واسعة من العلاقات تمتد من البلقان إلى إفريقيا وآسيا الوسطى. لكنها في الوقت نفسه وجدت نفسها أمام بيئة إقليمية تتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على تثبيت مكاسبها.
في سوريا مثلاً. لم تعد الأولوية التركية تقتصر على أمن الحدود أو مواجهة التنظيمات المسلحة. فالتطورات الأخيرة تشير إلى أن مستقبل الدولة السورية أصبح جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بالممرات البرية. وخطوط الطاقة. وإعادة توزيع النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وإسرائيل والقوى العربية. وهذا يجعل أي نفوذ تركي داخل سوريا مرتبطاً بتوازنات دولية وإقليمية معقدة. وليس بالقرار التركي وحده.
ويبرز هنا احتمال لا يمكن تجاهله. فإذا كانت واشنطن ترى في أنقرة شريكاً مهماً في إعادة ترتيب جزء من المشهد السوري. فإن إسرائيل تنظر إلى الساحة نفسها من زاوية مختلفة. فالأولوية الإسرائيلية تتمثل في منع تشكل بيئة أمنية تعتبرها مهددة على حدودها الشمالية. وفي الحفاظ على حرية الحركة العسكرية داخل سوريا. ومع اتساع النفوذ التركي في بعض المناطق. قد تتقاطع مصالح الطرفين في ملفات معينة. لكنها قد تتصادم في ملفات أخرى. ليس بدافع الاختلاف الأيديولوجي. وإنما بسبب اختلاف تصور كل طرف لشكل التوازن الإقليمي الذي يسعى إليه.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً إذا أخذنا في الاعتبار أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تتحرك بدوافع أمنية فقط. فصعود اليمين الديني منح الخطاب السياسي الإسرائيلي بعداً أيديولوجياً أكثر وضوحاً. وأعاد إلى الواجهة تصورات تتعلق بمكانة إسرائيل في الإقليم وحدود نفوذها ودورها في صياغة ما تصفه بـ”الشرق الأوسط الجديد”. وهذه الرؤية قد لا تتطابق دائماً مع المقاربة الأمريكية التي تركز بصورة أكبر على الاستقرار النسبي. وتأمين الممرات. وتقاسم الأعباء مع الحلفاء.
أما العراق. فإنه يمثل الحلقة الأكثر حساسية في أي تصور يتعلق بالدور التركي. فالجغرافيا تضعه في قلب مشاريع الربط بين الخليج وتركيا وأوروبا. لكنه في الوقت نفسه يقف عند تقاطع المصالح الأمريكية والإيرانية والتركية والعربية. ولذلك فإن نجاح أي مشروع اقتصادي يمر عبر أراضيه سيبقى مرتبطاً بقدرته على تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني. وبقدرته أيضاً على إدارة علاقاته مع جيرانه من دون أن يتحول إلى ساحة صراع دائم.
ومن هنا لا يمكن قراءة طريق التنمية باعتباره مشروعاً اقتصادياً فحسب. فهو يحمل أبعاداً جيوسياسية واضحة. وإذا نجح في تجاوز تحديات التمويل. والبنية التحتية. والخلافات الداخلية. فقد يعيد رسم جزء من حركة التجارة الإقليمية. أما إذا بقي أسيراً للانقسامات والصراعات. فقد يتحول إلى مشروع مؤجل آخر يضاف إلى قائمة المبادرات التي اصطدمت بواقع المنطقة. ولهذا فإن الحديث عن الممرات ينبغي أن يبقى مرتبطاً بإمكانات التنفيذ. لا بالرغبات السياسية وحدها.
وفي الجهة المقابلة. تراقب الصين هذه التحولات بعناية. فالممر الأوسط يمنحها منفذاً إضافياً نحو أوروبا. لكنه لا يلغي أهمية مشروع الحزام والطريق بمساراته المختلفة. لذلك تبدو بكين أكثر ميلاً إلى تنويع الخيارات بدلاً من الرهان على ممر واحد. وهي تدرك أن الاستقرار السياسي في العراق وسوريا وجنوب القوقاز سيكون عاملاً حاسماً في نجاح أي شبكة نقل عابرة للقارات.
أما روسيا. فإنها تنظر إلى تركيا من منظور مختلف. فالعلاقة بين البلدين تجمع التعاون والتنافس في آن واحد. يتعاونان في مجالات الطاقة والتجارة وبعض الملفات الإقليمية. لكنهما يتنافسان في البحر الأسود. والقوقاز. وسوريا. وتدرك موسكو أن اتساع الدور التركي داخل الفضاء السوفيتي السابق أو في المشرق العربي قد يؤثر في نفوذها التقليدي. لكنها تدرك أيضاً أن القطيعة الكاملة مع أنقرة ستدفعها أكثر نحو المعسكر الغربي. ولذلك تفضل إدارة التنافس بدلاً من تحويله إلى مواجهة مفتوحة.
ولا يقتصر الأمر على الدول وحدها. فواحدة من أبرز سمات التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقدين الأخيرين هي صعود الفواعل المسلحة من غير الدول. فقد أصبحت قوى مثل حزب الله. وأنصار الله. والفصائل العراقية. جزءاً من معادلات الردع الإقليمية. سواء اتفقنا مع أدوارها أم اختلفنا معها. وهذا يفرض على أي مشروع لإعادة تشكيل المنطقة أن يتعامل مع واقع يتجاوز حدود الدولة التقليدية. فهذه القوى تمتلك تأثيراً في الأمن والممرات والحدود. ولا يمكن تجاهلها عند رسم أي تصور لمستقبل الإقليم.
ولهذا فإن الاعتقاد بأن الممرات الاقتصادية وحدها قادرة على إنهاء الصراعات يبدو مبالغاً فيه. فالاقتصاد يفتح فرصاً للتعاون. لكنه لا يلغي التنافس على النفوذ. كما أن شبكات النقل قد تصبح في بعض الأحيان جزءاً من الصراع نفسه. إذا ارتبطت بموازين القوة وبالتحالفات العسكرية.
وربما تكون هذه هي المفارقة التي تحكم الدور التركي اليوم. فكلما ازدادت أهمية موقعها الجغرافي. ازدادت أيضاً الضغوط الواقعة عليها. لأنها أصبحت نقطة التقاء لمصالح متعارضة. الولايات المتحدة تريد شريكاً إقليمياً أكثر قدرة على تحمل المسؤولية. والصين ترى فيها ممراً مهماً نحو أوروبا. وروسيا تسعى إلى منع تحولها إلى أداة لتقليص نفوذها. بينما تنظر إليها دول الخليج بوصفها شريكاً اقتصادياً وأمنياً محتملاً. وتراقبها إسرائيل من زاوية تأثيرها في التوازنات السورية والمشرقية.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد ما إذا كانت تركيا قوة صاعدة. وإنما ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على توازن دقيق بين هذه المصالح المتعارضة من دون أن تتحول هي نفسها إلى ساحة لاستنزاف التنافس الدولي.

