«الإقصاء الخفي».. تبعات مستترة للانتهاكات الرقمية ضد الصحفيات الاستقصائيات بالعراق

تقرير معمق: مريم عبدالواحد – يسرا الصحفي

ابتسامة ساخرة ممزوجة بالألم والخوف، احتلت وجه الصحفية الاستقصائية العراقية “منار الزبيدي” عقب متابعتها لسيل الانتهاكات الرقمية جراء نشرها تقرير بعنوان “وجها لوجه مع الضحية.. رواية أخرى لقصة النزيلة التي تعرضت للاغتصاب في الديوانية”، وسط خوف عائلة “منار”، وبطء شديد في الإجراءات المتخذة من الجهات المعنية، وقلق عدة زميلات صحفيات من مواجهة المصير نفسه.

الانتهاكات الرقمية مع “منار” تتشابه مع بقية الصحفيات العراقيات خاصةً العاملات في الصحافة الاستقصائية وملفي السياسيات الداخلية والخارجية وملف الدفاع عن حقوق الإنسان عامةً والمرأة خاصة، حيث تواصلنا مع ٢١ صحفية وطالبة بكليات ومعاهد الإعلام العاملات في الصحافة تترواح أعمارهن من ٢٠ إلى ٣٦ ربيعًا، ٣٥.٧٪؜ منهن عاملات بصحيفة حكومية و٦٤.٣٪؜ بصحف حزبية وخاصة.

يكشف هذا التقرير خريطة الانتهاكات الرقمية ضد الصحفيات العراقيات الاستقصائيات من بينهن: منار الزبيدي، والتبعات غير المُعلنة التي تعقب هذه الهجمات، وتأثيرها على حرية الصحافة والإعلام.

خريطة الانتهاكات الرقمية ضد الصحفيات

اعتادت “منار” على الانتهاكات الرقمية خلال عملها الصحفي الذي قارب ال١٩ عامًا، أنتجت خلالهم تحقيقات وتقارير معمقة بالتعاون مع صحف محلية ودولية، إلا أن معدل الانتهاكات وصلت لذُروتها في أغسطس ٢٠٢٦ مع تقريرها الأخير، مواجهة تشويه سمعة وإتهامات بالعمالة للخارج، فضلًا عن محاولة اختراق حسابها وعمل صفحات وحسابات تحمل اسمها، وامتد العنف الإلكتروني إلى أرض الواقع، من خلال تصوير طفلتها خلسة ونشر صورها على منصات التواصل الاجتماعي.

احتلت الحملات الممنهجة من سب وتشويه سمعة عبر منصات التواصل المركز الأول بين الانتهاكات الرقمية بمعدل 71.4%، يليه التحرش الإلكتروني بمعدل 71%، ثم الاختراق الإلكتروني ومحاولات سرقة الحسابات بنسبة 64.3%، وخطاب الكراهية وتهديدات بالقتل بمعدل 57%، والتزييف العميق 53%، وفقًا لما أظهرته نتائج لقاءات مباشرة واستطلاع رأي مع ال21 صحفية عراقية.

وواجهت إحدى الصحفيات اللاتي تواصلن معهن محاولة سرقة حساباتها عن طريق رابط، وواجهت زميلتها كافة أشكال الانتهاكات الرقمية ومحاولات لحذف محتوى نشرته لمجرد أنه مُخالف للعادات والأعراف، كما عانت صديقتها من تحرش إلكتروني فظ، فيما تعرض أخرى لسب وقذف وصل إلى حد التهديد بالقتل.

عقبة العقوبات القانونية ودور “النقابة”

عقب استمرار الحملات الممنهجة، قررت “منار” تقديم بلاغات رسمية ضد المنتهكين، في ظل غياب قانون واضح لرصد ومعاقبة هذا النمط من الجرائم، حيث يتعامل القضاء العراقي مع الجرائم الإلكترونية في الوقت الحالي عبر تكييف النصوص القانونية التقليدية لسد الفراغ التشريعي الناتج عن غياب قانون متخصص وشامل لهذا النوع من الجرائم، اعتمادًا على القواعد العامة في قانون العقوبات، تحديداً القانون رقم (111) لسنة 1969.

وتنص المادة (438/ 1) من قانون العقوبات تنص على: تُعد الأساس القانوني لتجريم نشر الصور أو الأخبار أو التعليقات التي تتصل بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد عبر الوسائل الإلكترونية، وتصل عقوبتها إلى الحبس مدة لا تزيد على سنة، كما تنص المادتان (433) و(434): تُطبقان في قضايا القذف والسب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يُجرم القذف بإسناد واقعة للغير علنًا، والسب بكل تعبير يمس كرامة الشخص، وتُستخدم المادة (431) في حالات إنشاء صفحات وهمية لنشر صور وعبارات تسيء للسمعة والشرف.

توجد محكمة النشر والإعلام المعنية بهذا النوع من القضايا، وتعتمد الجهات القضائية والتحقيقية في التعامل مع الأدلة الرقمية على قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 عبر: القناعة القضائية: استناد القاضي للمادة (213/أ) للتقييم والحرية في الاقتناع بالأدلة والتقارير الفنية والعلمية، وقبول الأدلة الإلكترونية من خلال اعتماد مخرجات الأجهزة الرقمية كأدلة قانونية (مثل الأقراص المدمجة، وتفريغ الهواتف، والتحويلات المالية، وتوثيق الصفحات المطبوعة)، الاستعانة بالخبرة الفنية: الاعتماد على خبراء تكنولوجيا المعلومات والجهات المختصة لفحص الأجهزة، وضمان سلامة الأدلة من التلاعب، لذلك تنصح المحامية ورئيس منظمة “لأجلها” لمناصرة قضايا المرأة، مروة عبد الرضا، بعدم حذف تلك الانتهاكات بسبب الخوف، لإنها بذلك تُتلف دليل الإدانة.

ووصفت “مروة” الإجراءات بأنها “معقدة” وطويلة ولا توجد مدة محددة لحسم هذا النوع من القضايا، “لدرجة إننا نحن المحاميين نَمل من طول المدة وتعقييد الإجراءات”، وهذا ما أكدته الصحفية المُنتهكَة التي وجدت بطء -نوعا ما- في  سير الإجراءات على حد تعبيرها.

ولا توجد خصوصية لضحايا سواء ذكور أو إناث وهذا ناتج عن الاعتماد على قوانين قديمة، بالإضافة إلى ثقافة المجتمع التي لا تتفهم لـ”الخصوصية”، على حد قول المحامية ورئيس منظمة “لأجلها”.

عن دور نقابة الصحفيين بالعراق حول تعرض الصحفييات عامةً و”منار” خاصةً، قالت الصحفية: “لم اتواصل مع الفرع الرئيسي بالنقابة.. كان المفروض هما يتواصلوا معى، لعلهم اكتفوا بدعم فرع النقابة بمحافظتي”، موضحة إن النقابة يقتصر دورها غالباً على المساندة وتقديم الدعم القانوني.

تبعات الانتهاكات الرقمية

الهجمة الإلكترونية “الشرسة” جعلت “منار” تفكر في كتابة تحقيقاتها الاستقصائية المقبلة ذات “القضايا الشائكة” باسم مستعار، كحيلة لحمايتها من تكرار الانتهاكات الرقمية، “سأظل مستمرة في كشف الفساد والدفاع عن حقوق المرأة، كما كنت أفعل مع شبكة الصحفيين الدوليين و(نيريج) وغيرها من المؤسسات التي عملت معاها”، وفقا لما قالته “الزبيدي”، موضحة أن خوف عائلتها عليها من تصاعد حدة خطاب الكراهية والتحريض ضدها على منصات التواصل الاجتماعي دفعها لذلك القرار لحمايتهم أيضاً.

بالرغم من حُظو “منار” على دعم عدة مؤسسات وجهات ك”تحالف الصحفيات” بجانب دعم أسرتها، إلا أن مع حدث لها دفع عشرات الصحفيات اللاتي تواصلن معهن إلى عزوفهن عن كتابة تحقيقات استقصائية كاشفة للفساد أو تقارير معمقة تفند الروايات الرسمية، خوفاً من مواجهة المصير نفسه الذي قد يتفاقم معهن، بجانب ضغط العشيرة عليهن لتجنب الخوض في ذلك، ليصل الأمر لدى البعض بإرغامهن على ترك مجال الصحافة.

تلعب الأسرة دورًا كبيرًا في منع أو تقنين استمرار الفتيات بالعراق في العمل الصحفي، حيث أوضحت 64,3% أن السبب الرئيسي لموقف العائلات راجع إلى الأعراف الاجتماعية والخوف عليهن من مخاطر العمل الصحفي، مقابل تأكيد  ٢١.٤٪؜ منهن على تقنين عمل الفتيات بهذا المجال بسبب المخاوف الأمنية والسياسية في العراق، و١٤.٣٪؜ ترى أن العائلات تقدم دعم مشروط بالابتعاد عن العمل الميداني أو الأخبار السياسية والصحافة الاستقصائية.

خلال استطلاع رأي الصحفيات، أكدن هناك “نمط خفي” يدفع الصحفيات لترك تخصصات صحفية بعينها، حيث أوضحت 64% منهن أن الصحافة الاستقصائية، يليها التغطيات الميدانية غير مقبولة للمرأة من وجهة نظر المجتمع وبعض المسؤولين بالصحف، يليها  ثم العمل في الملف السياسي.

تلك الممارسات تقيد حرية الصحافة والإعلام، لتغيب فيها دور “المُسألة” كسلطة رابعة، ومع قلة عمل النساء العاملات في هذه التخصص تغيب وجهة النظر النسائية من أفكار ومقترحات وطريقة معالجة، وفقًا لما ذكرته خبيرة الإعلام والناشطة النسوية إنجي سامي، مطالبةً بمزيد من الحماية القانونية للصحفيات، وعمل حملات لرفع الوعي الرقمي لحماية حساباتهن الإلكترونية.