غرب آسيا… حين عجز الجميع عن احتكار المستقبل

علي قاسم – كاتب سياسي عراقي

لا تنتهي التحولات الكبرى عندما تتوقف الحروب. وإنما تبدأ بعدها المرحلة التي تحدد معناها الحقيقي. فالمعارك قد تحسم خرائط السيطرة. لكنها لا تحسم شكل النظام الذي سيولد من بعدها. والتاريخ لا يتذكر دائماً من ربح آخر معركة. بقدر ما يتذكر من نجح في كتابة قواعد المرحلة التالية. غير أن غرب آسيا تبدو اليوم أمام مشهد يختلف عن معظم التحولات التي عرفها العالم خلال القرن الماضي. فلا توجد قوة استطاعت فرض رؤيتها على الإقليم كاملاً. ولا مشروع تمكن من إقصاء جميع منافسيه. وكأن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها تعطيل مشاريع الآخرين أسهل من فرض مشروع خاص بها.

ولعل هذا هو التحول الأهم الذي يميز المشهد الراهن. فالإقليم لم يعد محكوماً بمنطق الهيمنة الذي طبع مراحل سابقة. كما أنه لم يصل إلى توازن مستقر بين قواه المختلفة. وإنما أصبح يعيش حالة تتداخل فيها المشاريع السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة تجعل كل تقدم يحققه طرف يقابله تحرك من طرف آخر لمنع تحوله إلى واقع دائم. ولذلك لم تعد القوة تقاس بما تمتلكه الدول من جيوش أو اقتصاد فقط. وإنما بقدرتها على منع خصومها من إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحهم.

وهذا ما يفسر لماذا تحولت غرب آسيا إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إليها بوصفها مجرد منطقة لحماية تدفق الطاقة. وإنما باعتبارها عقدة رئيسية في إعادة توزيع أعباء النفوذ استعداداً لمنافسة الصين. وبكين ترى أن استقرار الإقليم شرط أساسي لنجاح مشاريع الربط القاري والحزام والطريق. بينما تنظر موسكو إلى أي اختلال كبير في موازين القوى بوصفه عاملاً قد ينعكس على موقعها في أوراسيا وعلى قدرتها في مواجهة الضغوط الغربية. أما القوى الإقليمية. فهي تتحرك بين محاولة توسيع نفوذها وبين منع الآخرين من الانفراد بصناعة المستقبل.

ومن هنا. فإن السؤال لم يعد من انتصر في المواجهات الأخيرة. ولا أي مشروع يبدو أكثر قوة في اللحظة الراهنة. وإنما أي مشروع يمتلك القدرة على الاستمرار عندما تبدأ موازين القوى بالتغير من جديد. فالإقليم يقف اليوم أمام مجموعة من الاحتمالات المفتوحة. بعضها قد يقود إلى توازنات أكثر استقراراً. وبعضها الآخر قد يدفع المنطقة إلى جولات جديدة من الصراع. ليس لأن أحد الأطراف يريد الحرب بالضرورة. وإنما لأن أحداً لم يعد يمتلك القدرة على فرض السلام وفق شروطه وحده.

ولهذا لن تحاول تقديم تنبؤات حاسمة أو أحكام نهائية. وإنما ستتناول مجموعة من المسارات التي قد تتشكل منها صورة غرب آسيا خلال السنوات المقبلة. انطلاقاً من معطيات الحاضر واتجاهات التحول التي ناقشتها الحلقات السابقة. فمستقبل المنطقة لن يتحدد في عاصمة واحدة. ولا بقرار دولة واحدة. وإنما في المساحة التي تتقاطع فيها مشاريع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وإيران والدول العربية والصين وروسيا. وفي الكيفية التي ستتعامل بها هذه القوى مع ساحات مثل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والخليج والبحر الأحمر

غير أن الإقرار بعجز أي قوة عن احتكار المستقبل لا يعني أن المنطقة تتجه تلقائياً نحو الاستقرار. فالتاريخ يعلمنا أن توازن القوى قد يكون مدخلاً للسلام كما قد يكون مقدمة لصراعات أكثر تعقيداً. وكلما اقتربت المشاريع المتنافسة من التعادل في القدرة على فرض إرادتها. ازدادت أهمية الساحات التي يمكن من خلالها تعديل هذا التعادل من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة بين القوى الكبرى. ولهذا لم تعد المنافسة تدور حول السيطرة على دولة بعينها. وإنما حول توظيف الدول والساحات بوصفها أدوات لإعادة رسم موازين الإقليم.

ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل سوريا والعراق ولبنان تتصدر المشهد في هذه المرحلة. فهذه الدول لم تعد تمثل حدوداً جغرافية بين القوى الإقليمية. وإنما تحولت إلى نقاط ارتكاز تتحدد من خلالها فرص نجاح أو تعثر المشاريع المتنافسة. فكل مشروع إقليمي أو دولي يمر بصورة أو بأخرى عبر هذه الساحات. سواء تعلق الأمر بالممرات الاقتصادية. أو خطوط الطاقة. أو الأمن الإقليمي. أو إعادة تشكيل منظومات الردع.

وتبدو سوريا المثال الأكثر وضوحاً على هذا التحول. فهي لم تعد ساحة حرب أهلية كما كانت في السنوات الماضية. وإنما أصبحت ساحة تفاوض على شكل النظام الإقليمي نفسه. فتركيا تنظر إليها بوصفها عمقاً استراتيجياً وممراً لمشاريعها الاقتصادية والأمنية. وإسرائيل تراها جزءاً من أمنها القومي ومن مشروعها لمنع تشكل بيئة معادية على حدودها الشمالية. بينما تسعى الولايات المتحدة إلى توظيف المشهد السوري ضمن سياسة أوسع لإعادة هندسة التوازنات وتقليص النفوذ الإيراني. أما الدول العربية. فتتعامل مع سوريا باعتبارها ساحة لا ينبغي أن تنفرد بها قوة إقليمية واحدة. في حين ترى إيران أن الحفاظ على موطئ قدم داخلها يمثل ركناً من أركان منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقود الماضية.

وفي ظل هذا التشابك. يبرز سؤال بدأ يفرض نفسه في دوائر القرار الإقليمية والدولية. هل يمكن أن تتحول السلطة السورية الجديدة إلى جزء من ترتيبات أمنية تستهدف تقليص دور حزب الله أو الحد من مسارات دعمه. إن هذا الاحتمال لا يتعلق بقرار سوري منفرد. وإنما يرتبط بحجم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. وبحسابات تركيا. وبموقف الدول العربية. وبمدى حاجة دمشق إلى الانفتاح الدولي ورفع العقوبات. لذلك فإن أي تغيير في هذا المسار لن يكون مجرد تطور أمني على الحدود السورية اللبنانية. بل سيكون مؤشراً على طبيعة النظام الإقليمي الذي يجري العمل على بنائه.

غير أن سوريا ليست سوى إحدى حلقات هذا المشهد. فالعراق يبقى الحلقة الأكثر حساسية. لأن مستقبل التوازنات الإقليمية لن يتحدد فقط بما يجري على ضفاف المتوسط. وإنما أيضاً بما ستؤول إليه العلاقة بين بغداد وطهران. وهي العلاقة التي تبدو اليوم في قلب كثير من الحسابات الأمريكية والإيرانية على حد سواء.

غير أن مستقبل العراق لن يتوقف على طبيعة علاقته مع إيران وحدها. وإنما سيتأثر أيضاً بالكيفية التي ستتعامل بها القوى الإقليمية مع التحولات التي يشهدها الإقليم بأكمله. فكلما تعمقت المنافسة بين المشاريع المتقابلة. ازدادت أهمية الساحات القادرة على التأثير في موازين القوى من دون الدخول في مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى. ولهذا لم تعد فلسطين ولبنان والبحر الأحمر والخليج ملفات منفصلة. وإنما حلقات مترابطة داخل معادلة واحدة.

ولعل ما أعاد هذه الحقيقة إلى الواجهة هو طوفان الأقصى. فقبل السابع من تشرين الأول كانت المنطقة تتحرك باتجاه أولويات مختلفة. كانت الممرات الاقتصادية تتقدم على حساب الصراعات التقليدية. وكانت مشاريع الربط الإقليمي والتطبيع تحتل مساحة متزايدة في النقاش السياسي. لكن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد. وأثبتت أن أي تصور لنظام إقليمي جديد سيبقى ناقصاً إذا تعامل مع فلسطين بوصفها ملفاً يمكن تجاوزه أو تأجيله إلى أجل غير معلوم.

ومنذ ذلك التاريخ لم تعد إسرائيل تخوض حرباً عسكرية فقط. وإنما دخلت مرحلة تسعى فيها إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها. فاستمرار العمليات في غزة. والضغط على لبنان. وتوسيع السيطرة في الجولان. ومحاولات فرض وقائع جديدة داخل سوريا. كلها تعكس رؤية أمنية تعتبر أن ضمان التفوق الإسرائيلي لا يتحقق عبر الحدود القائمة وحدها. وإنما عبر إعادة تشكيل المجال الجيوسياسي المحيط بالدولة العبرية.

لكن هذا المشروع لا تحركه الاعتبارات الأمنية وحدها. فصعود اليمين الديني والقومي داخل إسرائيل منح الخطاب الأيديولوجي حضوراً أكبر في صناعة القرار. وأصبحت مفاهيم مثل “الشرق الأوسط الجديد” وقراءات توراتية تتبناها بعض التيارات المؤثرة جزءاً من النقاش السياسي الداخلي. مع التأكيد على أن هذه الطروحات لا تعبر بالضرورة عن سياسة رسمية موحدة لجميع مؤسسات الدولة. لكنها تؤثر في البيئة الفكرية التي تتحرك داخلها الحكومة الحالية وفي رؤيتها لموقع إسرائيل في الإقليم.

وهنا يظهر أحد أهم التناقضات التي قد تطبع المرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة تنظر إلى إعادة تشكيل المنطقة من زاوية بناء منظومة أكثر استقراراً وأقل كلفة عليها. تعتمد على الممرات الاقتصادية والشراكات الإقليمية وتقاسم الأعباء الأمنية. في حين أن بعض توجهات الحكومة الإسرائيلية الحالية قد تدفع نحو سياسات توسع أو فرض وقائع ميدانية يمكن أن تؤدي إلى إطالة أمد الصراع. وهذا لا يعني وجود قطيعة بين الطرفين. لكنه يكشف أن تطابق المصالح بين واشنطن وتل أبيب لم يعد كاملاً في جميع الملفات.

وفي الجهة المقابلة. تتحرك دول الخليج ضمن مقاربة مختلفة. فهي تدرك أن استمرار الفوضى يهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى ورؤيتها للتحول إلى مراكز عالمية للاستثمار والطاقة والخدمات. ولذلك تسعى إلى بيئة إقليمية أكثر استقراراً. لكنها في الوقت نفسه تعمل على منع تشكل هيمنة إقليمية منفردة لأي قوة. ولهذا تبدو سياساتها أقرب إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة مع الولايات المتحدة والصين وتركيا وإيران بدرجات متفاوتة. مع الحفاظ على هامش مناورة يسمح بحماية مصالحها في بيئة سريعة التغير. ومن هنا فإن مواقف الدول الخليجية ليست كتلة واحدة. وإنما تتباين وفق أولويات كل دولة وحساباتها الأمنية والاقتصادية.

وفي قلب هذه المعادلة تقف الصين وروسيا باعتبارهما أكثر من مجرد داعمين لطهران أو منافسين لواشنطن. فاستقرار غرب آسيا يرتبط مباشرة بمصالحهما الاستراتيجية. الصين ترى في الإقليم عقدة أساسية ضمن مشروع الحزام والطريق وأمن الطاقة. وروسيا تنظر إليه بوصفه امتداداً لتوازناتها في أوراسيا ووسيلة لمنع انفراد الغرب بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. ولهذا فإن أي محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة ستبقى محكومة أيضاً بحسابات موسكو وبكين. حتى وإن اختارتا في كثير من الأحيان العمل بأدوات دبلوماسية واقتصادية أكثر من الانخراط العسكري المباشر.

وهكذا تبدو غرب آسيا أمام مرحلة تتقاطع فيها مشاريع متنافسة من دون أن يمتلك أي منها القدرة على إلغاء الآخر. مشروع أمريكي يسعى إلى إعادة هندسة التوازنات. ومشروع إسرائيلي يركز على إعادة تشكيل البيئة الأمنية. ومشروع تركي يعمل على توسيع مجاله الحيوي. ومشروع إيراني يتمسك بمنظومة الردع التي بناها خلال العقود الماضية. ومشروع عربي يحاول تحويل الاستقرار إلى رافعة للتنمية. إلى جانب حضور صيني وروسي يزداد تأثيره كلما تعمقت المنافسة الدولية على الممرات والطاقة.

لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه المشاريع جميعاً لا يتعلق فقط بحجم القوة التي يمتلكها كل طرف. وإنما بقدرته على التكيف مع واقع جديد لم يعد يسمح بقيام هيمنة منفردة كما عرفتها المنطقة في مراحل سابقة

لكن القدرة على التكيف مع هذا الواقع الجديد لن تكون متاحة للجميع بالدرجة نفسها. فكل مشروع إقليمي أو دولي سيجد نفسه أمام اختبارات قد تعيد ترتيب أولوياته بصورة متسارعة. وربما لهذا السبب تبدو السنوات القليلة المقبلة أقل ارتباطاً بحجم القوة العسكرية التي يمتلكها كل طرف. وأكثر ارتباطاً بقدرته على إدارة الأزمات المتزامنة التي قد تنشأ في أكثر من ساحة وفي وقت واحد.

فإذا تعرضت سوريا لضغوط تدفعها إلى تشديد المواجهة مع حزب الله أو إلى الانخراط في ترتيبات أمنية تستهدف تقليص دوره. فإن ذلك لن يبقى شأناً سورياً لبنانياً. بل سيتحول إلى اختبار لطبيعة التوازنات التي يجري بناؤها في الإقليم. وإذا انتقلت المواجهة بصورة أوسع إلى العراق. سواء عبر الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. فإن الأمر لن يتعلق بإعادة ترتيب العلاقة بين بغداد وطهران فحسب. وإنما بإعادة تعريف موقع العراق داخل النظام الإقليمي الجديد. لأن العراق لم يعد مجرد دولة تقع بين الخليج وبلاد الشام. وإنما أصبح عقدة تلتقي عندها مشاريع الطاقة والممرات والتحالفات والتوازنات الأمنية.

وفي المقابل. فإن الفواعل غير الدولتية ستبقى أحد أكثر عناصر المشهد تعقيداً. فقد أثبتت السنوات الماضية أن هذه القوى لم تعد مجرد أدوات بيد الدول. وإنما أصبحت تمتلك هامشاً من المبادرة والتأثير يجعلها جزءاً من معادلات الردع الإقليمي. ولذلك فإن مستقبل حزب الله في لبنان. وأنصار الله في اليمن. والفصائل المسلحة في العراق. لن يتحدد فقط بقرارات العواصم التي ترتبط بها. وإنما أيضاً بقدرتها على التكيف مع التحولات التي يشهدها الإقليم وبالضغوط التي ستواجهها داخل ساحاتها الوطنية.

وهنا تبرز فلسطين مرة أخرى بوصفها المتغير الذي يصعب تجاوزه مهما تعددت المشاريع الإقليمية. فقد أثبتت أحداث السنوات الأخيرة أن أي محاولة لبناء شرق أوسط جديد من دون معالجة جوهر القضية الفلسطينية ستظل معرضة للاهتزاز مع كل جولة تصعيد جديدة. ولذلك فإن مستقبل غزة والضفة الغربية لن يكون قضية فلسطينية فحسب. وإنما أحد العوامل التي ستحدد حدود الاستقرار أو الاضطراب في الإقليم كله.

وفي الوقت نفسه. ستبقى الممرات البحرية والبرية أحد أهم ميادين التنافس الدولي. فهرمز وباب المندب لم يعودا مجرد معبرين للطاقة. كما أن طريق التنمية والممر الأوسط ومشاريع الربط القاري لم تعد مشاريع اقتصادية فقط. وإنما أصبحت أدوات لإعادة توزيع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية. ومن المرجح أن يستمر هذا التنافس خلال السنوات المقبلة. لا بهدف إلغاء الممرات التقليدية بالكامل. وإنما لتقليل الاعتماد على أي عقدة جغرافية واحدة تستطيع تعطيل حركة التجارة والطاقة العالمية.

ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التحولات ستقود إلى مواجهة إقليمية أوسع أم إلى توازن أكثر استقراراً. والإجابة لا تتوقف على قرار عاصمة واحدة. بل على الكيفية التي ستدير بها القوى الكبرى والإقليمية تناقضاتها. فإذا غلب منطق الاحتواء والتفاوض فقد تدخل المنطقة مرحلة تنافس طويل تحكمه خطوط حمراء تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. أما إذا تحولت محاولات تعديل موازين القوى إلى سياسات تقوم على الإقصاء وكسر الإرادات. فإن احتمالات اتساع الصراع ستظل قائمة في أكثر من ساحة في وقت واحد.

ولعل هذه هي الحقيقة التي حاولت هذه السلسلة الوصول إليها منذ بدايتها. فغرب آسيا لا تعيش نهاية صراع بقدر ما تعيش بداية مرحلة تاريخية جديدة. مرحلة تتراجع فيها فكرة الهيمنة المطلقة. ويصعد فيها منطق التوازنات المعقدة. وتصبح الجغرافيا والممرات والاقتصاد والفواعل غير الدولتية والتكنولوجيا عناصر لا تقل تأثيراً عن الجيوش والأسلحة في رسم موازين القوى.

ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً خلال السنوات المقبلة لن يكون من انتصر في آخر حرب. ولا من يملك أكبر ترسانة عسكرية. وإنما من يستطيع أن يتكيف مع نظام إقليمي لم يعد يسمح لأي قوة بأن تحتكر المستقبل. فالتاريخ لا يكتبه دائماً من يمتلك القوة الأكبر. بل كثيراً ما يكتبه أولئك الذين يفهمون التحولات قبل غيرهم. ويعرفون كيف يعيدون بناء أدواتهم كلما تغيرت قواعد اللعبة.