العراق واستحقاق الاستثمار.. رؤية جديدة لصناعة الثقة

د. نبيل رحيم العبادي – خبير مالي ومصرفي

المفترض برئيس هيئة الاستثمار الوطنية العراقية، أن لا ينظر إلى هذا الموقع كمجرد إدارة للتراخيص، بل كمنصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبين العراق والعالم. فحين تقف أمام ملف استثماري ضخم، لا يمكنك أن تغفل عن الحقيقة الأليمة التي تقول إن خمسة آلاف رخصة استثمار مُنحت منذ تأسيس الهيئة، لم تترجم إلى خمسة آلاف مصنع أو مجمع سكني يعمر الأرض، بل إن الواقع المؤلم يشير إلى أن أكثر من ثمانين في المئة من هذه المشاريع ظلت حبيسة الملفات الورقية، فيما تحولت الأراضي الحكومية إلى سوق للمضاربات لا إلى ورش عمل للمنتجين.

إن ما شهدته مدننا من مشاريع كبرى توقفت عند مرحلة التأسيس، كمدينة بابل السياحية، ومصنع إسمنت المثنى، ومجمع أور السكني، لم يكن نتيجة قلة الأموال أو شح الفرص، بل كان نتيجة غياب رقابة صارمة، وغياب جدية في محاسبة المستثمر الذي لا يلتزم بوعوده. ولطالما كان الصمت الإداري هو الغطاء الذي اختبأ خلفه كثيرون، ليتحول الاستثمار من أداة تنموية إلى واجهة للفساد والتسول على الأرض.

إن معالجة هذا التشوه لا تحتاج إلى قرارات انفعالية، بل تحتاج إلى خارطة طريق تنفيذية تبدأ بضبط إدارة هيئات المحافظات، حيث إن تجميد صلاحيات التوقيع لمدراء هذه الهيئات لمدة ستين يوماً، وتشكيل فريق تفتيش مركزي لمراجعة الملفات المعلقة، هو إجراء مؤقت لكنه ضروري لوقف العبث الذي تيسر للبعض تحت غطاء اللامركزية الإدارية. فالقائد الحقيقي لا يكتفي بإصدار الأوامر، بل يخلق آليات للرقابة تضمن تنفيذها.

أما المراجعة الشاملة للإجازات القديمة، فلا يمكن أن نعهد بها إلى لجاننا الداخلية وحدها، بل يجب أن نستعين بشركات تدقيق دولية محايدة تفحص أكبر مائتي مشروع استثماري استهلكت أكبر مساحات الأراضي، وأن نمنح المستثمرين مهلة مائة وثمانين يوماً لإثبات بدء التنفيذ الفعلي، ليكون إلغاء الرخص غير المنفذة حكماً تلقائياً لا يحتاج إلى مراجعة معقدة، مع إحالة ما تثبته تقارير التدقيق إلى النيابة العامة، لقطع الطريق على أي تصالح مع الملفات الفاسدة.

ولن تقف الإجراءات عند هذا الحد، فإن منح الأراضي الجديدة يجب أن يتجمد لمدة ستة أشهر، ليس تعطيلاً للاستثمار بل حمايةً للأراضي من أن تسقط بأيدي غير أمينة، وفرض الإفصاح عن الملكية الحقيقية للشركات المستثمرة سيكون اشتراطاً إلزامياً لا يمكن التغاضي عنه، لأن واجهات الشركات الوهمية هي التي تخفي وراءها عمليات نهب للمال العام، ولن يكون التطور جاداً إذا لم نعتمد التوثيق الرقمي للقرارات عبر نظام لا يمكن اختراقه أو تعديله، ليكون سجلاً ثابتاً لكل قرار يصدر عن الهيئة.

إن هذه الحزمة الإصلاحية، رغم قسوتها الظاهرية، هي الضمانة الوحيدة لبقاء الاستثمار رافداً حقيقياً للاقتصاد العراقي. وأنا مؤمن بأن هذه الإجراءات ليست موجعة للمستثمر الشريف، بل هي مؤلمة فقط لمن اعتاد أن يربح من الامتيازات دون أن يبني وطناً.

فالمستثمر الحقيقي الذي يحمل تمويلاً ويحمل خطة عمل جادة، سيرى في هذه الإصلاحات ضمانة لاستقرار استثماره لا تهديداً له، لأن البيئة الشفافة هي التي تجذب رؤوس الأموال الكبرى، وليست بيئة الفوضى والتساهل.

إن الاستثمار في العراق ليس ترفاً إدارياً، بل هو معركة وجودية لاستعادة الاقتصاد الوطني، وأول خطوة في هذه المعركة هي الجرأة على الحسم، والجرأة على قول لا للفاسدين، ونعم للمنتجين. هذا هو التحدي الذي أقبله، وهذا هو الطريق الذي سأسلكه بكل إخلاص، لأن العراق لا ينتظر من يتردد، بل ينتظر من يقرر ولو كانت القرارات صعبة، فمن يعرف حجم المعاناة لا يخشى صعوبة الدواء.